أبي حيان الأندلسي

507

البحر المحيط في التفسير

ما استفهام في موضع رفع بالابتداء ، أي : وأي شيء يدريك بها ؟ ومعناه النفي ، أي ما يدريك بها أحد . لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً : بين قرب الساعة ، وفي ذلك تسلية للممتحن ، وتهديد للمستعجل . وانتصب قريبا على الظرف ، أي في زمان قريب ، إذ استعماله ظرفا كثير ، ويستعمل أيضا غير ظرف ، تقول : إن قريبا منك زيد ، فجاز أن يكون التقدير شيئا قريبا ، أو تكون الساعة بمعنى الوقت ، فذكر قريبا على المعنى . أو يكون التقدير : لعل قيام الساعة ، فلوحظ الساعة في تكون فأنث ، ولوحظ المضاف المحذوف وهو قيام في قريبا فذكر . يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ : يجوز أن ينتصب يوم بقوله : لا يَجِدُونَ ، ويكون يقولون استئناف إخبار عنهم ، أو تم الكلام عند قولهم : وَلا نَصِيراً . وينتصب يوم بقوله : يَقُولُونَ ، أو بمحذوف ، أي اذكر ويقولون حال . وقرأ الجمهور : تقلب مبنيا للمفعول ؛ والحسن ، وعيسى ، وأبو جعفر الرواسي : بفتح التاء ، أي تتقلب ؛ وحكاها ابن عطية عن أبي حيوة . وقال ابن خالويه عن أبي حيوة : نقلب بالنون ، وجوههم بالنصب . وحكاها ابن عطية عن أبي حيوة أيضا وخارجة . زاد صاحب اللوامح أنها قراءة عيسى البصري . وقرأ عيسى الكوفي كذلك ، إلا أن بدل النون تاء ، وفاعل تقلب ضمير يعود على سَعِيراً ، وعلى جهنم أسند إليهما اتساعا . وقراءة ابن أبي عبلة : تتقلب بتاءين ، وتقليب الوجوه في النار : تحركها في الجهات ، أو تغيرها عن هيئاتها ، أو إلقاؤها في النار منكوسة . والظاهر هو الأول ، والوجه أشرف ما في الإنسان ، فإذا قلب في النار كان تقليب ما سواه أولى . وعبر بالوجه عن الجملة ، وتمنيهم حيث لا ينفع ، وتشكيهم من كبرائهم لا يجدي . وقرأ الجمهور : سادَتَنا ، جمعا على وزن فعلات ، أصله سودة ، وهو شاذ في جمع فيعل ، فإن جعلت جمع سائد قرب من القياس . وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، والسلمي ، وابن عامر ، والعامة في الجامع بالبصرة : ساداتنا على الجمع بالألف والتاء ، وهو لا ينقاس ، كسوقات ومواليات بني هاشم وسادتهم ، رؤساء الكفر الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم . قال قتادة : سادتنا : رؤساؤنا . وقال طاوس : أشرافنا ؛ وقال أبو أسامة : أمراؤنا ، وقال الشاعر : تسلسل قوم سادة ثم زادة * يبدون أهل الجمع يوم المحصب ويقال : ضل السبيل ، وضل عن السبيل . فإذا دخلت همزة النقل تعدى لاثنين ؛ وتقدم الكلام على إثبات الألف في الرسولا والسبيلا في قوله : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا .