أبي حيان الأندلسي
487
البحر المحيط في التفسير
على أن المراد بالصلاة الرحمة . انتهى . وما ذكره من قوله ، كأنهم فاعلون فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وما ذكرناه من أن الصلاتين اشتركتا في قدر مشترك أولى . تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ : أي يوم القيامة . سَلامٌ : أي تحية اللّه لهم . يقول للمؤمنين : السلام عليكم ، مرحبا بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري ، قاله الرقاشي . وقيل : يحييهم الملائكة بالسلامة من كل مكروه . وقال البراء بن عازب : معناه أن ملك الموت لا يقبض روح المؤمن حتى يسلم عليه . وقال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام ، قيل : فعلى هذا الهاء في قوله : يَلْقَوْنَهُ كناية عن غير مذكور ، وقيل : سلام الملائكة عند خروجهم من القبور . وقال قتادة : يوم دخولهم الجنة يحيي بعضهم بعضا بالسلام ، أي سلمنا وسلمت من كل مخوف . وقيل : تحييهم الملائكة يومئذ . وقيل : هو سلام ملك الموت والملائكة معه عليهم ، وبشارتهم بالجنة . والتحية مصدر في هذه الأقوال أضيف إلى المفعول ، إلا في قول من قال إنه مصدر مضاف للمحيي والمحيا ، لا على جهة العمل ، لأن الضمير الواحد لا يكون فاعلا مفعولا ، ولكنه كقوله : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ « 1 » : أي للحكم الذي جرى بينهم ، وليبعث إليهم ، فكذلك هذه التحية الجارية بينهم هي سلام . وفرق المبرد بين التحية والسلام فقال : التحية يكون ذلك دعاء ، والسلام مخصوص ، ومنه : وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً « 2 » . والأجر الكريم : الجنة ، شاهِداً على من بعثت إليهم ، وعلى تكذيبهم وتصديقهم ، أي مفعولا قولك عند اللّه ، وشاهدا بالتبليغ إليهم ، وبتبليغ الأنبياء قولك . وانتصب شاهِداً على أنه حال مقدّرة ، إذا كان قولك عند اللّه وقت الإرسال لم يكن شاهدا عليهم ، وإنما يكون شاهدا عند تحمل الشهادة وعند أدائها ، أو لأنه أقرب زمان البعثة ، وإيمان من آمن وتكذيب من كذب كان ذلك وقع في زمان واحد . وَداعِياً إِلَى اللَّهِ ، قال ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا اللّه . وقال ابن عيسى : إلى الطاعة . بِإِذْنِهِ : أي بتسهيله وتيسيره ، ولا يراد به حقيقة الإذن ، لأنه قد فهم في قوله : إنا أرسلناك داعيا أنه مأذون له في الدعاء . ولما كان دعاء المشرك إلى التوحيد صعبا جدا ، قيل : بإذنه ، أي بتسهيله تعالى . و سِراجاً مُنِيراً : جلي من ظلمات الشرك ، واهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير . ويهتدى به إذا مد اللّه بنور نبوته نور
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 78 . ( 2 ) سورة الفرقان : 25 / 75 .