أبي حيان الأندلسي

48

البحر المحيط في التفسير

وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وخوفهم ما يكون في البعث . ولذلك جاء مقابل المؤمنين وهم الكفار في قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا « 1 » وكأنه لما ذكرت الهداية للنور جاء في التقسيم لقابل الهداية وعدم قابلها ، فبدئ بالمؤمن وما تأثر به من أنواع الهدى ثم ذكر الكافر . والظاهر أن قوله فِي بُيُوتٍ أريد به مدلوله من الجمعية . وقال الحسن : أريد به بيت المقدس ، وسمى بيوتا من حيث فيه مواضع يتحيز بعضها عن بعض ، ويؤثر أن عادة بني إسرائيل في وقيده في غاية التهمم والزيت مختوم على ظروفه وقد صنع صنعة وقدس حتى لا يجري الوقيد بغيره ، فكان أضوأ بيوت الأرض . والظاهر أن فِي بُيُوتٍ مطلق فيصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم . وقال مجاهد : بيوت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال ابن عباس والحسن أيضا ومجاهد : هي المساجد التي من عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح . وقيل : الكعبة وبيت المقدس ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ومسجد قباء . وقيل : بيوت الأنبياء . ويقوي أنها المساجد قوله يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وإذنه تعالى وأمره بأن تُرْفَعَ أي يعظم قدرها قاله الحسن والضحاك . وقال ابن عباس ومجاهد : تبنى وتعلى من قوله وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ « 2 » . وقيل : تُرْفَعَ تطهر من الأنجاس والمعاصي . وقيل : تُرْفَعَ أي ترفع فيها الحوائج إلى اللّه . وقيل : تُرْفَعَ الأصوات بذكر اللّه وتلاوة القرآن . وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ظاهره مطلق الذكر فيعم كل ذكر عموم البدل . وعن ابن عباس : توحيده وهو لا إله إلّا اللّه . وعنه : يتلى فيها كتابه . وقيل : أسماؤه الحسنى . وقيل : يصلى فيها . وقرأ الجمهور يُسَبِّحُ بكسر الباء وبالياء من تحت ، وابن وثاب وأبو حيوة كذلك إلّا أنه بالتاء من فوق ، وابن عامر وأبو بكر والبحتري عن حفص ومحبوب عن أبي عمرو والمهال عن يعقوب والمفضل وأبان بفتحها وبالياء من تحت واحد المجرورات في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله ، والأولى الذي يلي الفعل لأن طلب الفعل للمرفوع أقوى من طلبه للمنصوب الفضلة . وقرأ أبو جعفر : تسبح بالتاء من فوق وفتح الباء . قال الزمخشري : ووجهها أن تسند إلى أوقات الغدو والآصال على زيادة الباء ، وتجعل الأوقات مسبحة . والمراد بها كصيد عليه يومان والمراد وحشهما انتهى . ويجوز أن

--> ( 1 ) سورة النور : 24 / 39 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 127 .