أبي حيان الأندلسي
474
البحر المحيط في التفسير
وابن وثاب ، وحمزة ، والكسائي : بياء من تحت في ثلاثتها . وذكر أبو البقاء أن بعضهم قرأ : ومن يقنت بالياء ، حملا على المعنى ، ويعمل بالياء حملا على لفظ من قال ؛ فقال بعض النحويين : هذا ضعيف ، لأن التذكير أصل لا يجعل تبعا للتأنيث ، وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن ، وهو قوله تعالى : خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا « 1 » . انتهى . وتقدم الكلام على خالِصَةٌ في الأنعام . والرزق الكريم : الجنة . قال ابن عطية : ويجوز أن يكون في ذلك وعد دنياوي ، أي أن أرزاقها في الدنيا على اللّه ، وهو كريم من حيث هو حلال وقصد ، وبرضا من اللّه في نيله . وقال بعض المفسرين : العذاب الذي توعد به ضعفين هو عذاب الدنيا ، ثم عذاب الآخرة ؛ وكذلك الأجر ، وهو ضعيف . انتهى . وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا رسول اللّه ، بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة والتوقر على عبادة اللّه . يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ : أي ليس كل واحدة منكن كشخص واحد من النساء ، أي من نساء عصرك . وليس النفي منصبا على التشبيه في كونهن نسوة . تقول : ليس زيد كآحاد الناس ، لا تريد نفي التشبيه عن كونه إنسانا ، بل في وصف أخص موجود فيه ، وهو كونه عالما ، أو عاملا ، أو مصليا . فالمعنى : أنه يوجد فيكن من التمييز ما لا يوجد في غيركن ، وهو كونكن أمهات المؤمنين وزوجات خير المرسلين . ونزل القرآن فيكن ، فكما أنه عليه السلام ليس كأحد من الرجال ، كما قال عليه السلام : « لست كأحدكم » ، كذلك زوجاته اللاتي تشرفن به . وقال الزمخشري : أحد في الأصل بمعنى وحد ، وهو الواحد ؛ ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه ، والمعنى : لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء ، أي إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة ، لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة ، ومنه قوله عزّ وجل : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ « 2 » ، يريد بين جماعة واحدة منهم ، تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين . انتهى . أما قوله : أحد في الأصل بمعنى : وحد ، وهو الواحد فصحيح . وأما قوله : ثم وضع ، إلى قوله : وما وراءه ، فليس بصحيح ، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحدا ، لأن واحد ينطلق على كل شيء اتصف بالوحدة ، وأحد المستعمل في النفي العام مخصوص بمن يعقل . وذكر النحويون أن مادته همزة وحاء ودال ، ومادة أحد بمعنى وحد أصله واو وحاء ودال ، فقد اختلفا مادة ومدلولا .
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 139 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 152 .