أبي حيان الأندلسي

469

البحر المحيط في التفسير

وقيل : يعذبهم في الدنيا إن شاء ، ويتوب عليهم إن شاء . إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً : غفورا للحوبة ، رحيما بقبول التوبة . وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا الأحزاب عن المدينة ، والمؤمنين إلى بلادهم . بِغَيْظِهِمْ : فهو حال ، والباء للمصاحبة ؛ و لَمْ يَنالُوا : حال ثانية ، أو من الضمير في بغيظهم ، فيكون حالا متداخلة . وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون الثانية بيانا للأولى ، أو استئنافا . انتهى . ولا يظهر كونها بيانا للأولى ، ولا للاستئناف ، لأنها تبقى كالمفلتة مما قبلها . وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ، بإرسال الريح والجنود ، وهم الملائكة ، فلم يكن قتال بين المؤمنين والكفار . وقيل : المراد علي بن أبي طالب ومن معه ، برزوا للقتال ودعوا إليه . وقتل علي من الكفار عمرو بن عبيد مبارزة ، حين طلب عمرو المبارزة ، فخرج إليه علي ، فقال : إني لا أوثر قتلك لصحبتي لأبيك ، فقال له علي : فأنا أوثر قتلك ، فقتله علي مبارزة . واقتحم نوفل بن الحارث ، من قريش ، الخندق بفرسه ، فقتل فيه . وقتل من الكفار أيضا : منبه بن عثمان ، وعبيد بن السباق . واستشهد من المسلمين ، في غزوة الخندق : معاذ ، وأنس بن أوس بن عتيك ، وعبد اللّه بن سهل ، وأبو عمرو ، وهم من بني عبد الأشهل ؛ والطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنمة ، وهما من بني سلمة ؛ وكعب بن زيد ، من بني ذبيان بن النجار ، أصابه سهم غرب فقتله . ولم تغز قريش المسلمين بعد الخندق ، وكفى اللّه مداومة القتال وعودته بأن هزمهم بعد ذلك ، وذلك بقوته وعزته . وعن أبي سعيد الخدري : حبسنا يوم الخندق ، فلم نصل الظهر ، ولا العصر ، ولا المغرب ، ولا العشاء ، حتى كان بعد هوي من الليل ، كفينا وأنزل اللّه تعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بلالا ، فأقام وصلى الظهر فأحسنها ، ثم كذلك كل صلاة بإقامة . وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ : أي أعانوا قريشا ومن معهم من الأحزاب من أهل الكتاب ، هم يهود بني قريظة ، كما هو قول الجمهور . وعن الحسن : بنو النضير . وقذف الرعب سبب لإنزالهم ، ولكنه قدم المسبب ، لما كان السرور بإنزالهم أكثر والإخبار به أهم قدم . وقال رجل : يا رسول اللّه ، مر بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء عليها قطيفة ديباج ، فقال : « ذلك جبريل ، عليه السلام ، بعث إلى بني قريظة ، يزلزل بهم حصونهم ، ويقذف الرعب في قلوبهم » . ولما رجعت الأحزاب ، جاء جبريل وقت الظهر فقال : إن اللّه يأمرك بالخروج إلى بني قريظة . فنادى في الناس : « لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة » ، فخرجوا إليها ، فمصل في الطريق ، ورأى أن ذلك خرج مخرج التأكيد والاستعجال ؛