أبي حيان الأندلسي
441
البحر المحيط في التفسير
وقيل : عائد على الكتاب ، فإما مضاف إليه على طريق الفاعل والمفعول محذوف ، أي من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه ، وإما بالعكس ، أي من لقاء موسى الكتاب وتلقيه . وقيل : يعود على الكتاب على تقدير مضمر ، أي من لقاء مثله ، أي : إنا آتيناك مثل ما آتينا موسى ، ولقناك بمثل ما لقن من الوحي ، فلا تك في شك من أنك لقنت مثله ولقيت نظيره ، ونحوه من لقائه قوله : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ « 1 » . وقال الحسن : يعود على ما تضمنه القول من الشدة والمحنة التي لقي موسى ، وذلك إن إخباره بأنه أتى موسى الكتاب كأنه قال : ولقد آتينا موسى هذا العبء الذي أنت بسبيله ، فلا تمتر أنك تلقى ما لقي هو من المحنة بالناس . انتهى ، وهذا قول بعيد . وأبعد من هذا ، من جعله عائدا على ملك الموت الذي تقدم ذكره ، والجملة اعتراضية . وقيل : عائد على الرجوع إلى الآخرة ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : ثم إلى ربكم ترجعون . فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ : أي من لقاء البعث ، وهذه أنقال كان ينبغي أن ينزه كتابنا عن نقلها ، ولكن نقلها المفسرون ، فاتبعناهم . والضمير في وَجَعَلْناهُ لموسى ، وهو قول قتادة . وقيل : للكتاب ، جعله هاديا من الضلالة ؛ وخص بني إسرائيل بالذكر ، لأنه لم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل . وَجَعَلْنا مِنْهُمْ : أي من بني إسرائيل ، أَئِمَّةً : قادة يقتدى بهم . وقرأ الجمهور : لَمَّا صَبَرُوا ، بفتح اللام وشد الميم . وعبد اللّه وطلحة ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ، ورويس : بكسر اللام وتخفيف الميم . وَكانُوا : يحتمل أن يكون معطوفا على صَبَرُوا ، فيكون داخلا في التعليق . ويحتمل أن يكون عطفا على وَجَعَلْنا مِنْهُمْ . وقرأ عبد اللّه أيضا : بما صبروا ، بباء الجر ، والضمير في منهم ظاهره يعود على بني إسرائيل . والفصل : يوم القيامة يعم الخلق كلهم . أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ : تقدم الكلام على نحو هذه الآية إعرابا وقراءة وتفسيرا في طه ، إلا أن هنا : مِنْ قَبْلِهِمْ و يَسْمَعُونَ ، وهناك : قَبْلِهِمْ ، و لِأُولِي النُّهى * « 2 » . ويسمعون ، والنهى من الفواصل . أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ : أقام تعالى الحجة على الكفرة بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا ، ثم أقامها عليهم بإظهار قدرته وتنبيههم على البعث ، وتقدّم تفسير الْجُرُزِ في الكهف ، وكل أرض جزر داخلة في هذا ، فلا تخصيص لها بمكان معين . وقال ابن عباس : هي أرض أبين من اليمن ، وهي أرض تشرب بسيول لا تمطر . وقرئ :
--> ( 1 ) سورة النمل : 27 / 6 . ( 2 ) سورة طه : 20 / 128 .