أبي حيان الأندلسي
425
البحر المحيط في التفسير
لهم ، وأن يغنوا عنهم من اللّه شيئا ، فلذلك جيء به على الطريق الأوكد . ومعنى التوكيد في لفظ المولود : أن الواحد منهم لو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه ، لم تقبل شفاعته فضلا أن يشفع لمن فوقه من أجداده ، لأن الولد يقع على الولد ، وولد الولد بخلاف المولود ، فإنه لمن ولد منك . إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ : يروى أن الحارث بن عمارة المحاربي قال : يا رسول اللّه ، أخبرني عن الساعة متى قيامها ؟ وإني لقد ألقيت حباتي في الأرض ، وقد أبطأت عني السماء ، متى تمطر ؟ وأخبرني عن امرأتي ، فقد اشتملت على ما في بطنها ، أذكر أم أنثى ؟ وعلمت ما علمت أمس ، فما أعمل غدا ؟ وهذا مولدي قد عرفته ، فأين أموت ؟ فنزلت . و في الحديث : « خمس لا يعلمهنّ إلا اللّه ، وتلا هذه الآية . وعلم : مصدر أضيف إلى الساعة ، والمعنى : علم يقين ، وفيها : وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ في آياته من غير تقديم ولا تأخير . ما فِي الْأَرْحامِ من ذكر أم أنثى ، تام أو ناقص ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ، برة أو فاجرة . ما ذا تَكْسِبُ غَداً من خير أو شر ، وربما عزمت على أحدهما فعلمت ضده . بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ : وربما أقامت بمكان ناوية أن لا تفارقه إلى أن تدفن به ، ثم تدفن في مكان لم يخطر لها ببال قط . وأسند العلم إلى اللّه ، والدراية للنفس ، لما في الدراية من معنى الختل والحيلة ؛ ولذا وصف اللّه بالعالم ، ولا يوصف بالداري . وأما قوله : لا هم لا أدري وأنت الداري فقول عربي جلف جاهلي ، جاهل بما يطلق على اللّه من الصفات ، وما يجوز منها وما يمتنع . وقرأ الجمهور : بِأَيِّ أَرْضٍ . وقرأ موسى الأسواري ، وابن أبي عبلة : بأية أرض ، بتاء التأنيث لإضافتها إلى الموت ، وهي لغة قليلة فيهما . كما أن كلّا إذا أضيفت إلى مؤنث قد تؤنث ، تقول : كلهنّ فعلن ذلك ، وتدري معلقة في الموضعين . فالجملة من قوله : ما ذا تَكْسِبُ في موضع مفعول تَدْرِي ، ويجوز أن يكون ما ذا كلها موصولا منصوبا بتدري ، كأنه قال : وما تدري نفس الشيء التي تكسب غدا . وبأي متعلق بتموت ، والباء ظرفية ، أي : في أي أرض ؟ فالجملة في موضع نصب بتدري . ووقع الإخبار بأن اللّه استأثر بعلمه هذه الخمس ، لأنها جواب لسائل سأل ، وهو يستأثر بعلم أشياء لا يحصيها إلا هو ، وهذه الخمس .