أبي حيان الأندلسي
411
البحر المحيط في التفسير
ما حمل على اللفظ ، ثم على المعنى ، ثم على اللفظ ، غير هاتين الآيتين . والنحويون يذكرون وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ الآية فقط ، ثم على المعنى ، ثم على اللفظ ، ويستدلون بها على أن هذا الحكم جار في من الموصولة ونظيرها مما لم يثن ولم يجمع من الموصولات . وتضمنت هذه الآية ذم المشتري من وجوه التولية عن الحكمة ، ثم الاستكبار ، ثم عدم الالتفات إلى سماعها ، كأنه غافل عنها ، ثم الإيغال في الإعراض بكون أذنيه كأن فيهما صمما يصده عن السماع . و كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها : حال من الضمير في مُسْتَكْبِراً ، أي مشبها حال من لم يسمعها ، لكونه لا يجعل لها بالا ولا يلتفت إليها ؛ وكأن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن واجب الحذف . و كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً : حال من لم يسمعها . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكونا استئنافين . انتهى ، يعني الجملتين التشبيهيتين . ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم ، ذكر ما وعد به المؤمنين . وقرأ زيد بن علي : خالدون ، بالواو ؛ والجمهور : بالياء . وانتصب وَعْدَ اللَّهِ على أنه مصدر مؤكد لنفسه ، و حَقًّا على المصدر المؤكد لغيره ، لأن قوله : لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ، والعامل فيها متغاير ، فوعد اللّه منصوب ، أي يوعد اللّه وعده ، وحقا منصوب بأحق ذلك حقا . خَلَقَ السَّماواتِ إلى فَأَنْبَتْنا فِيها ، تقدم الكلام على ذلك . ومعنى كَرِيمٍ : مدحته بكرم جوهره ونفاسته وحسن منظره ، وما تقضي له النفوس بأنه أفضل من غيره حتى استحق الكرم ، فيخص لفظ الأزواج ما كان نفيسا مستحسنا من جهة ، أو مدحته بإتقان صفته وظهور حسن الرتبة والتحكم للصنع فيه ، فيعم جميع الأزواج ، وهو الأنواع . هذا خَلْقُ اللَّهِ : إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته ، وبخ بذلك الكفار وأظهر حجته . والخلق بمعنى المخلوق ، كقولهم : درهم ضرب الأمير ، أي مضروبه . ثم سألهم على جهة التهكم بهم أن يورده . وأما خلقته آلهتهم لما ذكر مخلوقاته ، فكيف عبدوها من دونه ؟ ويجوز في ما ذا أن تكون كلها موصولة بمعنى الذي ، وتكون مفعولا ثانيا لأروني . واستعمال ما ذا كلها موصولا قليل ، وقد ذكره سيبويه . ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع رفع على الابتداء ، وذا موصولة بمعنى الذي ، وهو خبر عن ما ، والجملة في موضع نصب بأروني ، وأروني معلقة عن العمل لفظا لأجل الاستفهام . ثم أضرب عن توبيخهم وتبكيتهم إلى التسجيل عليهم بأنهم في حيرة واضحة لمن يتدبر ، لأن من عبد صنما وترك خالقه جدير بأن يكون في حيرة وتيه لا يقلع عنه .