أبي حيان الأندلسي
41
البحر المحيط في التفسير
ذهب هذا النظر على كثير من المفسرين فقال بعضهم إِنْ أَرَدْنَ راجع إلى قوله وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وهذا فيه بعد وفصل كثير ، وأيضا فالأيامى يشمل الذكور والإناث ، فكان لو أريد هذا المعنى لكان التركيب : إن أرادوا تحصنا فيغلب المذكر على المؤنث . وقال بعضهم : هذا الشرط ملغى . وقال الكرماني : هذا شرط في الظاهر وليس بشرط كقوله إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ومع أنه وإن كان لم يعلم خيرا صحت الكتابة . وقال ابن عيسى : جاء بصيغة الشرط لتفحيش الإكراه على ذلك ، وقال : لأنها نزلت على سبب فوقع النهي على تلك الصفة انتهى . و عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا هو ما يكسبنه بالزنا . وقوله فَإِنَّ اللَّهَ جواب للشرط . والصحيح أن التقدير غَفُورٌ رَحِيمٌ لهم ليكون جواب الشرط فيه ضمير يعود على من الذين هو اسم الشرط ، ويكون ذلك مشروطا بالتوبة . ولما غفل الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء عن هذا الحكم قدروا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لهن أي للمكرهات ، فعريت جملة جواب الشرط من ضمير يعود على اسم الشرط . وقد ضعف ما قلناه أبو عبد اللّه الرازي فقال : فيه وجهان أحدهما : فإن اللّه غفور رحيم لهنّ لأن الإكراه يزيل الإثم والعقوبة من المكره فيما فعل ، والثاني : فإن اللّه غفور رحيم للمكره بشرط التوبة ، وهذا ضعيف لأنه على التفسير الأول لا حاجة لهذا الإضمار . وعلى الثاني يحتاج إليه انتهى . وكلامهم كلام من لم يمعن في لسان العرب . فإن قلت : قوله إِكْراهِهِنَّ مصدر أضيف إلى المفعول والفاعل مع المصدر محذوف ، والمحذوف كالملفوظ والتقدير من بعد إكراههم إياهنّ والربط يحصل بهذا المحذوف المقدر فلتجز المسألة قلت : لم يعدوا في الروابط الفاعل المحذوف ، تقول : هند عجبت من ضربها زيدا فتجوز المسألة ، ولو قلت هند عجبت من ضرب زيدا لم تجز . ولما قدر الزمخشري في أحد تقدير أنه لهن أورد سؤالا فإن قلت : لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن لأن المكرهة على الزنا بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة قلت : لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف وغيره حتى يسلم من الإثم ، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة انتهى . وهذا السؤال والجواب مبنيان على تقدير لهنّ . وقرأ مُبَيِّناتٍ بفتح الياء الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر أي بيّن اللّه في هذه السورة وأوضح آيات تضمنت أحكاما وحدودا وفرائض ، فتلك الآيات هي المبينة ، ويجوز أن يكون المراد مبينا فيها ثم اتسع فيكون المبين في الحقيقة غيرها . وهي ظرف للمبين . وقرأ