أبي حيان الأندلسي

383

البحر المحيط في التفسير

والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على ذلك ، ويجوز أن يراد مَنامُكُمْ في الزمانين ، وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ فيهما . والظاهر هو الأول لتكرره في القرآن ، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن . وقال ابن عطية : وقال بعض المفسرين : في الكلام تقديم وتأخير ، وهذا ضعيف ، وإنما أراد أن ترتب النوم في الليل والابتغاء للنهار ، ولفظ الآية لا يعطي ذلك . وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً : إما أن يتعلق من آياته بيريكم ، فيكون في موضع نصب ، ومن لابتداء الغاية ، أو يكون يريكم على إضمار أن ، كما قال : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى برفع أحضر ، والتقدير أن أحضر ، فلما حذف أن ، ارتفع الفعل ، وليس هذا من المواضع التي يحذف منها أن قياسا ، أو على إنزال الفعل منزلة المصدر من غير ما يسبكه له ، كما قال الخليل في قول : أريد لأنسى حبها أي أرادني لأنسى حبها ، فيكون التقدير في هذين الوجهين : ومن آياته إراءته إياكم البرق ، فمن آياته في موضع رفع على أنه خبر المبتدأ . وقال الرماني : يحتمل أن يكون التقدير : ومن آياته يريكم البرق بها ، وحذف لدلالة من عليها ، كما قال الشاعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح أي : فمنهما تارة أموت ، ومن على هذه الأوجه الثلاثة للتبعيض . وانتصب خَوْفاً وَطَمَعاً على أنهما مصدران في موضع الحال ، أي خائفين وطامعين . وقيل : مفعول من أجله . وقال الزجاج : وأجازه الزمخشري على تقدير إرادة خوف وطمع ، فيتحد الفاعل في العامل والمحذوف ، ولا يصح أن يكون العامل يريكم ، لاختلاف الفاعل في العامل والمصدر . وقال الزمخشري : المفعولون فاعلون في المعنى ، لأنهم راءون مكانه ، فكأنه قيل : لجعلكم رائين البرق خوفا وطمعا . انتهى . وكونه فاعلا ، قيل : همزة التعدية لا تثبت له حكمه بعدها ، على أن المسألة فيها خلاف . مذهب الجمهور : اشتراط اتحاد الفاعل ، ومن النحويين من لا يشترطه . ولو قيل : على مذهب من يشترطه . أن التقدير : يريكم البرق فترونه خوفا وطمعا ، فحذف العامل للدلالة ، لكان إعرابا سائغا واتحد فيها الفاعل . وقال الضحاك : خوفا من صواعقه ، وطمعا في مطره . وقال قتادة : خوفا للمسافر ، وطمعا للمقيم . وقيل : خوفا أن يكون خلبا ، وطمعا أن يكون ماطرا . وقال الشاعر :