أبي حيان الأندلسي

381

البحر المحيط في التفسير

سوء . والظاهر أنه أمر عباده بتنزيهه في هذه الأوقات ، لما يتجدد فيها من النعم . ويحتمل أن يكون كناية عن استغراق زمان العبد ، وهو أن يكون ذاكرا ربه ، واصفه بما يجب له على كل حال . وقال الزمخشري : لما ذكر الوعد والوعيد ، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد . وقيل : المراد هنا بالتسبيح : الصلاة . فعن ابن عباس وقتادة : المغرب والصبح والعصر والظهر ، وأما العشاء ففي قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ « 1 » . وعن ابن عباس : الخمس ، وجعل حِينَ تُمْسُونَ شاملا للمغرب والعشاء . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : اعتراض بين الوقتين ، ومعناه : أن الحمد واجب على أهل السماوات وأهل الأرض ، وكان الحسن يذهب إلى أن هذه الآية مدنية ، لأنه كان يقول : فرضت الخمس بالمدينة . وقال الأكثرون : بل فرضت بمكة ؛ وفي التحرير ، اتفق المفسرون على أن الخمس داخلة في هذه الآية . وعن ابن عباس : ما ذكرت الخمس إلا فيها ، وقدم الإمساء على الإصباح ، كما قدم ف قول يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ « 2 » ، والظلمات على النور ، وقابل بالعشي الإمساء . وبالإظهار الإصباح ، لأن كلّا منهما يعقب بما يقابله ، فالعشي يعقبه الإمساء ، والإصباح يعقبه الإظهار . ولما لم يتصرف من العشي فعل ، لا يقال أعشى ، كما يقال أمسى وأصبح وأظهر ، جاء التركيب وَعَشِيًّا : وقرأ عكرمة : حينا تمسون وحينا تصبحون ، بتنوين حين ، والجملة صفة حذف منها العائد تقديره : تمسون فيه وتصبحون فيه . ولما ذكر الإبداء والإعادة ، ناسب ذكره : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وتقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران . وَكَذلِكَ : أي مثل ذلك الإخراج ، والمعنى : تساوي الإبداء والإعادة في حقه تعالى . وقرأ الجمهور : تُخْرَجُونَ ، بالتاء المضمومة ، مبنيا للمفعول ؛ وابن وثاب وطلحة والأعمش : بفتح تاء الخطاب وضم الراء . ثم ذكر تعالى آياته من بدء خلق الإنسان ، آية آية ، إلى حين بعثه من القبر فقال : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ : جعل خلقهم من تراب ، حيث كان خلق أباهم آدم من تراب . و تَنْتَشِرُونَ : تتصرفون في أغراضكم بثم المقتضية المهلة والتراخي . ونبه تعالى على عظيم قدرته بخلق الإنسان من تراب ، وهو أبعد الأشياء عن درجة الإحياء ، لأنه بارد يابس ، والحياة بالحرارة والرطوبة ، وكذا الروح نير وثقيل ، والروح خفيف وساكن ، والحيوان متحرك إلى الجهات الست ، فالتراب أبعد من قبول الحياة من سائر الأجسام .

--> ( 1 ) سورة هود : 11 / 114 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 27 ، وسورة الحج : 22 / 61 .