أبي حيان الأندلسي

38

البحر المحيط في التفسير

على أنه هنا للندب ولم يخل عصر من الأعصار من وجود الْأَيامى ولم ينكر ذلك ولا أمر الأولياء بالنكاح . وقال الزمخشري : الْأَيامى واليتامى أصلهما أيائم ويتائم فقلبا انتهى . وفي التحرير قال أبو عمر : وأيامى مقلوب أيائم ، وغيره من النحويين ذكر أن أيما ويتيما جمعا على أيامي ويتامى شذوذا يحفظ ووزنه فعالى ، وهو ظاهر كلام سيبويه . قال سيبويه في أواخر هذا باب تكسيرك ما كان من الصفات . وقالوا : وج ووجيا كما قالوا : زمن وزمنى فأجروه على المعنى كما قالوا : يتيم ويتامى وأيم وأيامى فأجروه مجرى رجاعي انتهى . وتقدم في المفردات الأيم من لا زوج له من ذكر أو أنثى . وفي شرح كتاب سيبويه لأبي بكر الخفاف : الأيم التي لا زوج لها ، وأصله في التي كانت متزوجة ففقدت زوجها برزء طرأ عليها فهو من البلايا ، ثم قيل في البكر مجازا لأنها لا زوج لها انتهى . مِنْكُمْ خطاب للمؤمنين ، أمر تعالى بإنكاح من تأيم من الأحرار والحرائر ومن فيه صلاح من العبيد والإماء ، واندرج المؤنث في المذكر في قوله وَالصَّالِحِينَ وخص الصالحين ليحصن لهم دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم ، ولأن الصَّالِحِينَ من الأرقاء هم الذين يشفق مواليهم عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثرة والمودة ، فكانوا مظنة للاهتمام بشأنهم وتقبل الوصية فيهم ، والمفسدون منهم حالهم عند مواليهم على عكس ذلك . وقيل : معنى وَالصَّالِحِينَ أي للنكاح والقيام بحقوقه . وقرأ مجاهد والحسن من عبيدكم بالياء مكان الألف وفتح العين وأكثر استعماله في المماليك . و إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هذا مشروط بالمشيئة المذكورة في قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ « 1 » . وَاللَّهُ واسِعٌ أي ذو غنى وسعة ، يبسط اللّه لمن يشاء عَلِيمٌ بحاجات الناس ، فيجري عليهم ما قدر من الرزق . وَلْيَسْتَعْفِفِ أي ليجتهد في العفة وصون النفس وهو استفعل بمعنى طلب العفة من نفسه وحملها عليها ، وجاء الفك على لغة الحجاز ولا يعلم أحد قرأ وليستعف بالإدغام الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً . قيل النكاح هنا اسم ما يمهر وينفق في الزواج كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس ، ويؤيده قوله حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فالمأمور بالاستعفاف هو من عدم المال الذي يتزوج به ويقوم بمصالح الزوجية . والظاهر أنه أمر ندب لقوله قبل إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .

--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 28 .