أبي حيان الأندلسي

376

البحر المحيط في التفسير

العلم بأحوال الدنيا . قيل : والمعنى لا يعلمون أن الأمور من عند اللّه ، وأن وعده لا يخلفه ، وأن ما يورده بعينه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، حق . يَعْلَمُونَ ظاهِراً : أي بينا ، أي ما أدّته إليهم حواسهم ، فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم . وقال ابن عباس ، والحسن ، والجمهور : معناه ما فيه الظهور والعلوّ في الدنيا من إتقان الصناعات والمباني ومظان كسب المال والفلاحات ، ونحو هذا . وقالت فرقة : معناه ذاهبا زائلا ، أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة . وقال الهذلي : وعيرها الواشون أني أحبها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي : زائل . وقال ابن جبير : ظاهِراً ، أي يعلمون من قبل الكهنة مما يسترقه الشياطين . وقال الرماني : كل ما يعلم بأوائل الرؤية فهو الظاهر ، وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن . وقال الزمخشري : يَعْلَمُونَ بدل من قول : لا يَعْلَمُونَ ، وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه ، وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده ، لنعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل ، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا . وقوله : ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا : يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا ، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها ، وباطنها وحقيقتها أنها مجاز للآخرة ، يتزود إليها منها بالطاعة والأعمال الصالحة ؛ وهم الثانية توكيد لهم الأولى ، أو مبتدأ . وفي إظهارهم على أي الوجهين ، كانت تنبيه على غفلتهم التي صاروا ملتبسين بها ، لا ينفكون عنها . و فِي أَنْفُسِهِمْ : معمول ليتفكروا ، إما على تقدير مضاف ، أي في خلق أنفسهم ليخرجوا من الغفلة ، فيعلموا أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا فقط ، ويستدلوا بذلك على الخالق المخترع . ثم أخبر عقب هذا بأن الحق هو السبب في خلق السماوات والأرض ؛ وأما على أن يكون فِي أَنْفُسِهِمْ ظرفا للفكرة في خلق السماوات والأرض ، فيكون فِي أَنْفُسِهِمْ توكيدا لقوله : يَتَفَكَّرُوا ، كما تقول : أبصر بعينك واسمع بأذنك . وقال الزمخشري : في هذا الوجه كأنه قال : أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم ؟ أي في قلوبهم الفارغة من الفكر . والفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين ، كقولك : اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك . وقال أيضا : يكون صلة المتفكر ، كقولك : تفكر في الأمر وأجال فكره . و ما خَلَقَ اللَّهُ متعلق بالقول المحذوف ، معناه : أو لم يتفكروا ، فيقولوا هذا القول ؟ وقيل معناه : فيعلموا ، لأن في الكلام دليلا عليه . انتهى . والدليل هو قوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا . وقيل : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا متصل بما بعده ، ومثله : ثم يَتَفَكَّرُوا