أبي حيان الأندلسي
364
البحر المحيط في التفسير
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ، وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن قوله : يا عِبادِيَ الآية ، نزلت فيمن كان مقيما بمكة ؛ أمروا بالهجرة عنها إلى المدينة ، أي جانبوا أهل الشرك ، واطلبوا أهل الإيمان . وقال أبو العالية : سافروا لطلب أوليائه . وقال ابن جبير ، وعطاء ، ومجاهد ، ومالك بن أنس : الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية ، ويلزم الهجرة عنها إلى بلد حق . وقال مطرف بن الشخير : إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ عدة بسعة الرزق في جميع الأرض . وقيل : أرض الجنة واسعة أعطيكم . وقال مجاهد : سافروا لجهاد أعدائه . فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ، من باب الاشتغال : أي فإياي اعبدوا فاعبدون . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى الفاء في فاعبدون ، وتقدم المفعول ؟ قلت : الفاء جواب شرط محذوف ، لأن المعنى : إن أرضي واسعة ، فإن لم تخلصوا العبادة في أرض ، فاخلصوها في غيرها . ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول ، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص . انتهى . ويحتاج هذا الجواب إلى تأمل . ولما أخبر تعالى بسعة أرضه ، وكان ذلك إشارة إلى الهجرة ، وأمر بعبادته ، فكأن قد يتوهم متوهم أنه إذا خرج من أرضه التي نشأ فيها لأجل من حلها من أهل الكفر إلى دار الإسلام ، لا يستقيم له فيها ما كان يستقيم له في أرضه ، وربما أدى ذلك إلى هلاكه . أخبر أن كل نفس لها أجل تبلغه ، وتموت في أي مكان حل ، وأن رجوع الجمع إلى أجزائه يوم القيامة . وقرأ علي : تُرْجَعُونَ ، مبنيا للفاعل ؛ والجمهور : مبينا للمفعول ، بتاء الخطاب . وروي عن عاصم : بياء الغيبة . وقرأ أبو حيوة : ذائِقَةُ ، بالتنوين ؛ الْمَوْتِ : بالنصب . وقرأ : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ، من المباءة . وقرأ علي ، وعبد اللّه ، والربيع بن خيثم ، وابن وثاب ، وطلحة ، وزيد بن علي ، وحمزة ، والكسائي : من الثواء ؛ وبوّأ يتعدى لاثنين . قال تعالى : تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ « 1 » ، وقد جاء متعديا باللام . قال تعالى : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ « 2 » ، والمعنى : ليجعلنّ لهم مكان مباءة ، أي مرجعا يأوون إليه . غُرَفاً : أي علالي ، وأما ثوى فمعناه : أقام ، وهو فعل لازم ، فدخلت عليه همزة التعدية فصار يتعدى إلى واحد ، وقد قرئ مشددا عدى بالتضعيف ، فانتصب
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 21 / 1 . ( 2 ) سورة الحج : 22 / 26 .