أبي حيان الأندلسي
361
البحر المحيط في التفسير
و في صحيح البخاري ، عن أبي هريرة : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم » . وَكَذلِكَ : أي مثل ذلك الإنزال الذي للكتب السابقة ، أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ : أي القرآن . فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ هم : عبد اللّه بن سلام ومن آمن معه . وَمِنْ هؤُلاءِ : أي من أهل مكة . وقيل : فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ : أي الذين تقدموا عهد الرسول ، يؤمنون به : أي بالقرآن ، إذ هو مذكور في كتبهم أنه ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وَمِنْ هؤُلاءِ : أي ممن في عهده منهم . وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها ، إِلَّا الْكافِرُونَ : أي من بني إسرائيل وغيرهم . قال مجاهد : كان أهل الكتاب يقرءون في كتبهم أن محمدا عليه السلام ، لا يخط ولا يقرأ كتابا ، فنزلت : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ : أي من قبل نزوله عليك ، مِنْ كِتابٍ : أي كتابا ، ومن زائدة لأنها في متعلق النفي ، وَلا تَخُطُّهُ : أي لا تقرأ ولا تكتب ، بِيَمِينِكَ : وهي الجارحة التي يكتب بها ، وذكرها زيادة تصوير لما نفي عنه من الكتابة ، لما ذكر إنزال الكتاب عليه ، متضمنا من البلاغة والفصاحة والإخبار عن الأمم السابقة والأمور المغيبة ما أعجز البشر أن يأتوا بسورة مثله . أخذ يحقق ، كونه نازلا من عند اللّه ، بأنه ظهر عن رجل أمي ، لا يقرأ ولا يكتب ، ولا يخالط أهل العلم . وظهور هذا القرآن المنزل عليه أعظم دليل على صدقه ، وأكثر المسلمين على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكتب قط ، ولم يقرأ بالنظر في كتاب . و روي عن الشعبي أنه قال : ما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى كتب وأسند النقاش . حديث أبي كبشة السلولي : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قرأ صحيفة لعيينة ابن حصن وأخبر بمعناها . و في صحيح مسلم ما ظاهره : أنه كتب مباشرة ، وقد ذهب إلى ذلك جماعة ، منهم أبو ذر عبد اللّه بن أحمد الهروي ، والقاضي أبو الوليد الباجي وغيرهما . واشتد نكير كثير من علماء بلادنا على أبي الوليد الباجي ، حتى كان بعضهم يسبه ويطعن فيه على المنبر . وتأول أكثر العلماء ما ورد من أنه كتب على أن معناه : أمر بالكتابة ، كما تقول : كتب السلطان لفلان بكذا ، أي أمر بالكتب . إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ : أي لو كان يقرأ كتبا قبل نزول القرآن عليه ، أو يكتب ، لحصلت الريبة للمبطلين ، إذ كانوا يقولون : حصل ذلك الذي يتلوه مما قرأه ، قيل : وخطه واستحفظه ؛ فكان يكون لهم في ارتيابهم تعلق ببعض شبهة ، وأما