أبي حيان الأندلسي

355

البحر المحيط في التفسير

على قومه وإهلاكهم ، و الْقَرْيَةِ : سدوم ، وفيها قيل : أجور من قاضي سدوم . كانُوا ظالِمِينَ : أي قد سبق منهم الظلم . واستمر على الأيام السالفة وهم مصرون ، وظلمهم : كفرهم وأنواع معاصيهم . ولما ذكروا لإبراهيم : إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ، أشفق على لوط فقال : إِنَّ فِيها لُوطاً . ولما عللوا الإهلاك بالظلم ، قال لهم : فيها من هو بريء من الظلم ، قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها : أي منك ، وأخبر بحاله . ثم أخبروه بإنجائهم إياه وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ . وقرأ حمزة ، والكسائي : لَنُنَجِّيَنَّهُ ، مضارع أنجى ؛ وباقي السبعة : مضارع نجى ؛ والجمهور : بشد النون ؛ وفرقة : بتخفيفها . وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً : تقدم الكلام على مثل هذه الجملة ، إلّا أن هنا زيدت ، أن بعد لما ، وهو قياس مطرد . وقال الزمخشري أن صلة أكدت وجود الفعلين مترتبا أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما ، كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان ، كأنه قيل : لما أحس بمجيئهم ، فاجأت المساءة من غير وقت خيفة عليهم من قومه . انتهى . وهذا الذي ذكره في الترتيب هو مذهب سيبويه ، إذ مذهبه . أن لما : حرف لا ظرف ، خلافا للفارسي ، وهذا مذكور في علم النحو . وقرأ العربيان ، ونافع ، وحفص : مُنَجُّوكَ ، مشددا ؛ وباقي السبعة : مخففا ، والكاف في مذهب سيبويه في موضع جر . وَأَهْلَكَ : منصوب على إضمار فعل ، أي وننجي أهلك . ومن راعى هذا الموضع ، عطفه على موضع الكاف ، والكاف على مذهب الأخفش وهشام في موضع نصب ، وأهلك معطوف عليه ، لأن هذه النون كالتنوين ، وهما على مذهبهما يحذفان للطافة الضمير وشدة طلبه الاتصال بما قبله . وقرأ الجمهور : سئ ، بكسر السين ؛ وضمها نافع وابن عامر والكسائي . وقرأ عيسى ، وطلحة : سوء ، بضمها ، وهي لغة بني هذيل . وبني وبئر يقولون في قيل وبيع ونحوهما : قول وبوع . وقرئ : منزلون ، مخففا ومشددا ؛ وابن محيصن : رجزا ، بضم الراء ؛ وأبو حيوة والأعمش : بكسر سين يفسقون . والظاهر أن الضمير في منها عائد على القرية ، فقال ابن عباس : منازلهم الخربة . وحكى أبو سليمان الدمشقي أن الآية في قريتهم ، إلا أن أساسها أعلاها ، وسقوفها أسفلها إلى الآن . وقال الفراء : المعنى تركناها آية ، يقول : إن في السماء لآية ، يريد أنها آية . انتهى ، وهذا لا يتجه إلا على زيادة من في الواجب ، نحو قوله : أمهرت منها جبة وتيسا ، يريد : أمهرتها ؛ وكذلك : ولقد تركناها آية ، وقيل : الهاء في منها عائدة على الفعلة التي فعلت بهم ، فقيل : الآية : الحجارة التي أدركتها أوائل هذه الأمة ، قاله قتادة ؛ وقيل : الماء الأسود