أبي حيان الأندلسي

339

البحر المحيط في التفسير

وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وهذه جملة حالية . ثم ذكر أَنْ يُتْرَكُوا هنا من الترك الذي هو من التصيير ، وهذا لا يصح ، لأن مفعول صير الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم ، إذ يصير التقدير أن يصيروا لقولهم : وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وهذا كلام لا يصح . وأما ما مثل به من البيت فإنه يصح ، وأن يكون جزر السباع مفعولا ثانيا لترك بمعنى صير ، بخلاف ما قدر في الآية . وأما تقديره تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا ، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام ، فلا يصح ؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم ، كان غير مفتونين حالا ، إذ لا ينعقد من تركهم ، بمعنى تصييرهم ، وتقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم ، بمعنى تصييرهم ، إلى مفعول ثان ، لأن غير مفتونين عنده حال ، لا مفعول ثان . وأما قوله : فإن قلت أَنْ يَقُولُوا إلى آخره ، فيحتاج إلى فضلة فهم ، وذلك أن قوله : أَنْ يَقُولُوا هو علة تركهم فليس كذلك ، لأنه لو كان علة له لكان متعلقا ، كما يتعلق بالفعل ، ولكنه علة للخبر المحذوف الذي هو مستقر ، أو كائن ، والخبر غير المبتدأ . ولو كان لقولهم علة للترك ، لكان من تمامه ، فكان يحتاج إلى خبر . وأما قوله : كما تقول خروجه لمخافة الشر ، فلمخافة ليس علة للخروج ، بل للخبر المحذوف الذي هو مستقر ، أو كائن . وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، قال الشعبي : الفتنة هنا ما كلفه المؤمنون من الهجرة التي لم يتركوا دونها . وقال الكلبي : هو مثال ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً « 1 » . وقال مجاهد : يتبتلون في أنفسهم وأموالهم . و الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ : المؤمنون أتباع الأنبياء ، أصابهم من المحن ما فرق به المؤمن بالمنشار فرقتين ، وتمشط بأمشاط الحديد ، ولا يرجع عن دينه . فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ، بالامتحان ، الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانهم ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ فيه من علم المتعدية إلى واحد فيهما ، ويستحيل حدوث العلم للّه تعالى . فالمعنى : وليتعلقن علمه به موجودا به كما كان متعلقا به حين كان معدوما . والمعنى : وليميزن الصادق منهم من الكاذب ، أو عبر بالعلم عن الجزاء ، أي وليتبين الصادق وليعذبن الكاذب . ومعنى صدقوا في إيمانهم يطابق قولهم واعتقادهم أفعالهم ، والكاذبين ضد ذلك . وقرأ علي ، وجعفر بن محمد : فليعلمن ، مضارع المنقولة بهمزة التعدي من علم المتعدية إلى واحد ، والثاني محذوف ، أي منازلهم

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 65 .