أبي حيان الأندلسي
317
البحر المحيط في التفسير
القرى : مكة ، ويكون الرسول : محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، خاتم الأنبياء ، وظلم أهلها : هو بالكفر والمعاصي . وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ : أي حسن يسركم وتفخرون به ، فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها : تمتعون أياما قلائل ، وَما عِنْدَ اللَّهِ : من النعيم الدائم الباقي المعد للمؤمنين ، خَيْرٌ . من متاعكم ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ : توبيخ لهم . وقرأ أبو عمرو : يعقلون ، بالياء ، إعراض عن خطابهم وخطاب لغيرهم ، كأنه قال : انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم . وقرأ الجمهور : بالتاء من فوق ، على خطابهم وتوبيخهم ، في كونهم أهملوا العقل في العاقبة . ونسب هذه القراءة أبو علي في الحجة إلى أبو عمرو وحده ، وفي التحرير والتحبير بين الياء والتاء ، عن أبي عمرو . وقرئ : متاعا الحياة الدنيا ، أي يمتعون متاعا في الحياة الدنيا ، فانتصب الحياة الدنيا على الظرف . أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ : يذكر تفاوت ما بين الرجلين من وعد ، وَعْداً حَسَناً ، وهو الثواب ، فلاقاه ، ومن متع في الحياة الدنيا ، ثم أحضر إلى النار . وظاهر الآية العموم في المؤمن والكافر . قيل : ونزلت في الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبي جهل . وقيل : في حمزة وأبي جهل . و قيل : في عليّ وأبي جهل . وقيل : في عمار والوليد بن المغيرة . وقيل : نزلت في المؤمن والكافر ، وغلب لفظ المحضر في المحضر إلى النار كقوله : لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ « 1 » ، فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ « 2 » . والفاء في : أَ فَمَنْ ، للعطف ، لما ذكر تفاوت ما بين ما أوتوا من المتاع والزينة ، وما عند اللّه من الثواب ، قال : أفبعد هذا التفاوت الظاهر يسوى بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا ؟ والفاء في : فَهُوَ لاقِيهِ ، للتسبيب ، لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد الذي هو الضمان في الخبر ، وثم للتراخي حال الإحضار عن حال التمتع بتراخي وقته عن وقته . وقرأ طلحة : أمن وعدناه ، بغير فاء . وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ، قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ، وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ، وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ، فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ، وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ
--> ( 1 ) سورة الصافات : 37 / 57 . ( 2 ) سورة الصافات : 37 / 127 .