أبي حيان الأندلسي

307

البحر المحيط في التفسير

اللّه أعلم به . وقيل : لم يبن . واطلع في معنى : اطلع ، يقال : طلع إلى الجبل واطلع بمعنى واحد ، أي صعد ، فافتعل فيه بمعنى الفعل المجرد وبغير الحق ، إذ ليس لهم ذلك ، فهم مبطلون في استكبارهم ، حيث ادعى الإلهية ووافقوه على ذلك ؛ والكبرياء في الحقيقة إنما هو للّه . وقرأ حمزة ، والكسائي ، ونافع : لا يرجون ، مبنيا للفاعل ؛ والجمهور : مبنيا للمفعول . والأرض هنا أرض مصر . فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ : كناية عن إدخالهم في البحر حتى غرقوا ، شبهوا بحصيات . قذفها الرامي من يده ، ومنه نبذ النواة ، وقول الشاعر : نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا من نعالك باليا وقوم فرعون وفرعون ، وإن ساروا إلى البحر باختيارهم في طلب بني إسرائيل ، فإن ما ضمهم من القدر السابق ، وإغراقهم في البحر ، هو نبذ اللّه إياهم . وجعل هنا بمعنى : صير ، أي صيرناهم أئمة قدوة للكفار يقتدون بهم في ضلالتهم ، كما أن للخير أئمة يقتدى بهم ، اشتهروا بذلك وبقي حديثهم . وقال الزمخشري : وجعلناهم : دعوناهم ، أئمة : دعاة إلى النار ، وقلنا : إنهم أئمة دعاة إلى النار ، وهو من قولك : جعله بخيلا وفاسقا إذا دعاه فقال : إنه بخيل وفاسق . ويقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله : جعله بخيلا وفاسقا ، ومنه قوله عزّ وجل : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً « 1 » . ومعنى دعوتهم إلى النار : دعوتهم إلى موجباتها من الكفر . انتهى . وإنما فسر جعلناهم بمعنى دعوناهم ، لا بمعنى صيرناهم ، جريا على مذهبه من الاعتزال ، لأن في تصييرهم أئمة ، خلق ذلك لهم . وعلى مذهب المعتزلة ، لا يجوّزون ذلك من اللّه ، ولا ينسبونه إليه ، قال : ويجوز خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر ، ومعنى الخذلان : منع الإلطاف ، وإنما يمنعها من علم أنه لا ينفع فيه ، وهو المصمم على الكفر ، الذي لا تغني عنه الآيات والنذر . انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال أيضا . لَعْنَةً : أي طردا وإبعادا ، وعطف يوم القيامة على : فِي هذِهِ الدُّنْيا . مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ، قال أبو عبيدة : من الهالكين . وقال ابن عباس : من المشوهين الخلقة ، لسواد الوجوه وزرقة العيون . وقيل : من المبعدين . ولما ذكر تعالى ما آل إليه فرعون وقومه من غضب اللّه عليهم وإغراقه ، ذكر ما امتن به على رسوله موسى عليه السلام فقال : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ، وهو التوراة ، وهو أول كتاب أنزلت فيه الفرائض والأحكام . مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى : قوم نوح وهود

--> ( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 19 .