أبي حيان الأندلسي

294

البحر المحيط في التفسير

القسري ، قال : فأين قول موسى ؟ وتلا الآية : فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قبل القبطي أن يؤخذ به ، يترقب وقوع المكروه به ، أو الإخبار هل وقفوا على ما كان منه ؟ وقيل : خائفا من أنه يترقب المغفرة . وقيل : خائفا يترقب نصرة ربه ، أو يترقب هداية قومه ، أو ينتظر أن يسلمه قومه . فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ : أي الإسرائيلي الذي كان قتل القبطي بسببه . وإذا هنا للمفاجأة ، وبالأمس يعني اليوم الذي قبل يوم الاستصراخ ، وهو معرب ، فحركة سينه حركة إعراب لأنه دخلته أل ، بخلاف حاله إذا عري منها ، فالحجاز تنبيه إذا كان معرفة ، وتميم تمنعه الصرف حالة الرفع فقط ، ومنهم من يمنعه الصرف مطلقا ، وقد يبنى مع أل على سبيل الندور . قال الشاعر : وإني حسبت اليوم والأمس قبله * إلى الليل حتى كادت الشمس تغرب يَسْتَصْرِخُهُ : يصيح به مستغيثا من قبطيّ آخر ، ومنه قول الشاعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الصراخ له قرع الظنابيب قال له موسى : الظاهر أن الضمير في له عائد على الذي إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ لكونك كنت سببا في قتل القبطي بالأمس ، قال له ذلك على سبيل العتاب والتأنيب . وقيل : الضمير في له ، والخطاب للقبطي ، ودل عليه قوله : يستصرخه ، ولم يفهم الإسرائيلي أن الخطاب للقبطي . فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ : الظاهر أن الضمير في أراد ويبطش هو لموسى . بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما : أي للمستصرخ وموسى وهو القبطي يوهم الإسرائيلي أن قوله : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ هو على سبيل إرادة السوء به ، وظن أنه يسطو عليه . قال ، أي الإسرائيلي : يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ، دفعا لما ظنه من سطو موسى عليه ، وكان تعيين القائل القبطي قد خفي على الناس ، فانتشر في المدينة أن قاتل القبطي هو موسى ، ونمى ذلك إلى فرعون ، فأمر بقتل موسى . وقيل : الضمير في أراد ويبطش للإسرائيلي عند ذلك من موسى ، وخاطبه بما يقبح ، وأن بعد لما يطرد زيادتها . وقيل : لو إذا سبق قسم كقوله : فأقسم أن لو التقينا وأنتم * لكان لكم يوم من الشر مظلم وقرأ الجمهور : يبطش ، بكسر الطاء ؛ والحسن ، وأبو جعفر : بضمها . إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ : وشأن الجبار أن يقتل بغير حق . وقال الشعبي : من قتل رجلين فهو جبار ، يعني بغير حق ، ولما أثبت له الجبروتية نفى عنه الصلاح . وَجاءَ رَجُلٌ