أبي حيان الأندلسي

274

البحر المحيط في التفسير

على حسب ذلك . ثم لخص ذلك بقوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ ، إلى آخر الآيتين . فانظر إلى بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه وترتيبه ، ومكانة إضماده ، ورصانة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجزة بعض ، كأنما أفرغ إفراغا واحدا ، وما لأمر أعجز القوى وأخرس الشقاشق ، ونحو هذا المصدر ، إذا جاء عقيب كلام ، جاء كالشاهد لصحته ، والمنادى على سداده ، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما كان . ألا ترى إلى قوله : صُنْعَ اللَّهِ ، و صِبْغَةَ اللَّهِ « 1 » ، و وَعَدَ اللَّهُ * « 2 » ، و فِطْرَتَ اللَّهِ « 3 » ؟ بعد ما رسمها بإضافتها إليه تسمية التعظيم ، كيف تلاها بقوله : الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ، و مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً « 4 » ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ * « 5 » ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ « 6 » ؟ انتهى . وهذا الذي ذكر من شقاشقه وتكثيره في الكلام ، واحتياله في إدارة ألفاظ القرآن لما عليه ، من مذاهب المعتزلة . والذي يظهر أن صنع اللّه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، وهي جملة الحال ، أي صنع اللّه بها ذلك ، وهو قلعها من الأرض ، ومرّها مرّا مثل مر السحاب . وأما قوله : إلا أن مؤكده محذوف ، وهو الناصب ليوم ينفخ إلى قوله صنع اللّه ، يريد به الإثابة والمعاقبة ، فذلك لا يصح ، لأن المصدر المؤكد لمضمون الجملة لا يجوز حذف جملته ، لأنه منصوب بفعل من لفظه ، فيجتمع حذف الفعل الناصب وحذف الجملة التي أكد مضمونها بالمصدر ، وذلك حذف كثير مخل . ومن تتبع مساق هذه المصادر التي تؤكد مضمون الجملة ، وجد الجمل مصرحا بها ، لم يرد الحذف في شيء منها ، إذ الأصل أن لا يحذف المؤكد ، إذ الحذف ينافي التوكيد ، لأنه من حيث أكد معتنى به ، ومن حيث حذف غير معتنى به . وقيل : انتصب صنع اللّه على الإغراء بمعنى ، انظروا صنع اللّه . وقرأ العربيان ، وابن كثير : يفعلون بالياء ؛ وباقي السبعة بتاء الخطاب . ولما ذكر علامات القيامة ، ذكر أحوال المكلفين بعد قيام الساعة . والحسنة : الإيمان . وقال ابن عباس ، والنخعي ، وقتادة : هي لا إله إلا اللّه ، ورتب على مجيء المكلف بالحسنة شيئين : أحدهما : أنه له خير منها ، ويظهر أن خيرا ليس أفعل تفضيل ، ومن لابتداء الغاية ، أي له خير من الخيور مبدؤه ونشؤه منها ، أي من جهة هذه الحسنة ، والخير هنا : الثواب . وهذا قول الحسن ، وابن جريج ، وعكرمة . قال

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 138 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 122 . ( 3 ) سورة الروم : 30 / 30 . ( 4 ) سورة البقرة : 2 / 138 . ( 5 ) آل عمران : 3 / 9 . ( 6 ) الروم : 30 / 130 .