أبي حيان الأندلسي

268

البحر المحيط في التفسير

أن يسمع ، لم يذكر له متعلق ، بل نفي الإسماع ، أي لا يقع منك إسماع لهم البتة لعدم القابلية . وأما الأصم فقد يكون في وقت يمكن إسماعه وسماعه ، فأتى بمتعلق الفعل وهو الدعاء . وإذا معمولة لتسمع ، وقيد نفي الإسماع أو السماع بهذا الطرف وما بعده على سبيل التأكيد لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولي مدبرا ، كان أبعد عن إدراك صوته . شبههم أولا بالموتى ، ثم بالصم في حالة ، ثم بالعمي ، فقال : وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ حيث يضلون الطريق ، فلا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ويحولهم هداة بصراء إلا اللّه تعالى . وقرأ الجمهور : بهادي العمى ، اسم فاعل مضاف ؛ ويحيى بن الحارث ، وأبو حيوة : بهاد ، منونا العمي ؛ والأعمش ، وطلحة ، وابن وثاب ، وابن يعمر ، وحمزة : تهدي ، مضارع هدي ، العمي بالنصب ؛ وابن مسعود : وما أنت تهتدي ، بزيادة أن بعد ما ، ويهتدي مضارع اهتدى ، والعمي بالرفع ، والمعنى : ليس في وسعك إدخال الهدى في قلب من عمي عن الحق ولم ينظر إليه بعين قلبه . إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ، وهم الذين علم اللّه أنهم يصدقون بآياته . فَهُمْ مُسْلِمُونَ : منقادون للحق . وقال الزمخشري : مسلمون مخلصون ، من قوله : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ « 1 » ، بمعنى جعله سالما للّه خالصا . انتهى . وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ : أي إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من اللّه ، كقوله : حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ « 2 » ، فالمعنى : إذا أراد اللّه أن ينفذ في الكافرين سابق علمه فيهم من العذاب ، أخرج لهم دابة تنفذ من الأرض . ووقع : عبارة عن الثبوت واللزوم والقول ، إما على حذف مضاف ، أي مضمون القول ، وإما أنه أطلق القول على المقول ، لما كان المقول مؤدى بالقول ، وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب . وقال ابن مسعود : وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ يكون بموت العلماء ، وذهاب العلم ، ورفع القرآن . انتهى . وروي أن خروجها حين ينقطع الخير ، ولا يؤمر بمعروف ، ولا ينهى عن منكر ، ولا يبقى منيب ولا نائب . وفي الحديث : « أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط » ، ولم يعين الأول ، وكذلك الدجال ؛ وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها ، والظاهر أن الدابة التي تخرج هي واحدة . وروي أنه يخرج في كل بلد دابة مما هو مثبوت نوعها في الأرض ، وليست واحدة ، فيكون قوله : دَابَّةً اسم جنس . واختلفوا في ماهيتها ،

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 112 . ( 2 ) سورة الزمر : 39 / 71 .