أبي حيان الأندلسي

256

البحر المحيط في التفسير

محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتبعهم المترسلون في أوائل كتب الفتوح والتهاني والحوادث التي لها شأن . وقيل : هو متصل بما قبله ، وأمر الرسول عليه السلام بتحميد اللّه على هلاك الهالكين من كفار الأمم ، والسلام على الأنبياء وأتباعهم الناجين . وقيل : قُلِ ، خطاب للوط عليه السلام أن يحمد اللّه على هلاك كفار قومه ، ويسلم عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى . وعزا هذا القول ابن عطية للفراء ، وقال : هذه عجمة من الفراء . وقرأ أبو السماك : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وكذا : قل الحمد للّه سيريكم ، بفتح اللام ، وعباده المصطفون ، يعم الأنبياء وأتباعهم . وقال ابن عباس : العباد المسلم عليهم هم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، اصطفاهم لنبيه ، وفي اختصاصهم بذلك توبيخ للمعاصرين من الكفار . وقال أبو عبد اللّه الرازي : لما ذكر تعالى أحوال الأنبياء ، وأن من كذبهم استؤصل بالعذاب ، وأن ذلك مرتفع عن أمة الرسول ، أمره تعالى بحمده على ما خصه من هذه النعمة ، وتسليمه على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة . انتهى ، وفيه تلخيص . وقوله : آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ : استفهام فيه تبكيت وتوبيخ وتهكم بحالهم ، وتنبيه على موضع التباين بين اللّه تعالى وبين الأوثان ، إذ معلوم عند من له عقل أنه لا شركة في الخيرية بين اللّه تعالى وبينهم ، وكثيرا ما يجيء هذا النوع من أفعل التفضيل حيث يعلم ويتحقق أنه لا شركه فيها وإنما يذكر على سبيل إلزام الخصم وتنبيهه على خطأ مرتكبه . والظاهر أن هذا الاستفهام هو عن خيرية الذوات ، فقيل : جاء على اعتقاد المشركين حيث اعتقدوا في آلهتهم خيرا بوجه ما ، وقيل : في الكلام حذف في موضعين ، التقدير : أتوحيد اللّه خير أم عبادة ما يشركون ؟ فما في أم ما بمعنى الذي . وقيل : ما مصدرية ، والحذف من الأول ، أي أتوحيد اللّه خير أم شرككم ؟ وقيل : خير ليست للتفضيل ، فهي كما تقول : الصلاة خير ، يعني خيرا من الخيور . وقيل : التقدير ذو خير . والظاهر أن خيرا أفعل التفضيل ، وأن الاستفهام في نحو هذا يجيء لبيان فساد ما عليه الخصم ، وتنبيهه على خطئه ، وإلزامه الإقرار بحصر التفضيل في جانب واحد ، وانتفائه عن الآخر ، وقرأ الجمهور : تشركون ، بتاء الخطاب ؛ والحسن ، وقتادة ، وعاصم ، وأبو عمرو : بياء الغيبة . وأم في أم ما متصلة ، لأن المعنى : أيهما خير ؟ وفي أَمَّنْ خَلَقَ وما بعده منفصلة . ولما ذكر اللّه خيرا ، عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله ، كما عدّدها في غير موضع من كتابه ، توقيفا لهم على ما أبدع من المخلوقات ، وأنهم لا يجدون بدا من الإقرار بذلك للّه تعالى .