أبي حيان الأندلسي
240
البحر المحيط في التفسير
أَمِينٌ : لا أختلس منه شيئا . قال الحسن : كان كافرا ، لكنه كان مسخرا ، والعفريت لا يكون إلا كافرا . قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ ، قيل : هو من الملائكة ، وهو جبريل ، قاله النخعي . والكتاب : اللوح المحفوظ ، أو كتاب سليمان إلى بلقيس . وقيل : ملك أيد اللّه به سليمان . وقيل : هو رجل من الإنس ، واسمه آصف بن برخيا ، كاتب سليمان ، وكان صديقا عالما قاله الجمهور . أو اسطوم ، أو هود ، أو مليخا ، قاله قتادة . أو اسطورس ، أو الخضر عليه السلام ، قاله ابن لهيعة . وقالت جماعة : هو ضبة بن أد جد بني ضبة ، من العرب ، وكان فاضلا يخدم سليمان ، كان على قطعة من خيله ، وهذه أقوال مضطربة ، وقد أبهم اللّه اسمه ، فكان ينبغي أن لا يذكر اسمه حتى يخبر به نبي . ومن أغرب الأقوال أنه سليمان عليه السلام ، كأنه يقول لنفسه : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ، أو يكون خاطب بذلك العفريت ، حكى هذا القول الزمخشري وغيره ، كأنه استبطأ ما قال العفريت ، فقال له سليمان ذلك على تحقير العفريت . والكتاب : هو المنزل من عند اللّه ، أو اللوح المحفوظ ، قولان . والعلم الذي أوتيه ، قيل : اسم اللّه الأعظم وهو : يا حي يا قيوم . وقيل : يا ذا الجلال والإكرام . وقيل بالعبرانية : أهيا شراهيا . وقال الحسن : اللّه ثم الرحمن . والظاهر أن ارتداد الطرف حقيقة ، وأنه أقصر في المدة من مدة العفريت ، ولذلك روي أن سليمان قال : أريد أسرع من ذلك حين أجابه العفريت ، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال البصر ، كما قال الشاعر : وكنت متى أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر وصف برد الطرف ، ووصف الطرف بالارتداد . فالمعنى أنك ترسل طرفك ، فقبل أن ترده أتيتك به ، وصار بين يديك . فروي أن آصف قال لسليمان عليه السلام : مد عينيك حتى ينتهي طرفك ، فمد طرفه فنظر نحو اليمن ، فدعا آصف فغاب العرش في مكانه بمأرب ، ثم نبع عند مجلس سليمان بالشام بقدرة اللّه ، قبل أن يرد طرفه . وقال ابن جبير ، وقتادة : قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى . وقال مجاهد : قبل أن تحتاج إلى التغميض ، أي مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض ، وذلك ارتداده . قال ابن عطية : وهذان القولان يقابلان قول من قال : إن القيام هو من مجلس الحكم ، ومن قال : إن القيام هو من الجلوس ، فيقول في ارتداد الطرف هو أن تطرف ، أي قبل أن تغمض عينيك وتفتحهما ، وذلك أن الثاني يعطي الأقصر في المدة ولا بد . انتهى . وقيل : طرفك