أبي حيان الأندلسي
232
البحر المحيط في التفسير
ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ، بل خطابه بهذا ليس فيه ظهور شغوف بخلاف ذلك الخطاب . والظاهر أن قوله : أَلَّا يَسْجُدُوا إلى العظيم من كلام الهدهد . وقيل : من كلام اللّه تعالى لأمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال ابن عطية : القراءة بياء الغيبة تعطي أن الآية من كلام الهدهد ، وبتاء الخطاب تعطي أنها من خطاب اللّه عزّ وجل لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال صاحب الغنيان : لما ذكر الهدهد عرش بلقيس ووصفه بالعظم ، رد اللّه عزّ وجل عليه وبين أن عرشه تعالى هو الموصوف بهذه الصفة على الحقيقة ، إذ لا يستحق عرش دونه أن يوصف بالعظمة . وقيل : إنه من تمام كلام الهدهد ، كأنه استدرك ورد العظمة من عرش بلقيس إلى عرش اللّه . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش اللّه في الوصف بالعظم ؟ قلت : بين الوصفين فرق ، لأن وصف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ، ووصف عرش اللّه بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض . انتهى . وقرأ ابن محيصن وجماعة : العظيم بالرفع ، فاحتمل أن تكون صفة للعرش ، وقطع على إضمار هو على سبيل المدح ، فتستوي قراءته وقراءة الجمهور في المعنى . واحتمل أن تكون صفة للرب ، وخص العرش بالذكر ، لأنه أعظم المخلوقات ، وما عداه في ضمنه . ولما فرغ الهدهد من كلامه ، وأبدى عذره في غيبته ، أخر سليمان أمره إلى أن يتبين له صدقه من كذبه فقال : سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ في أخبارك أم كذبت . والنظر هنا : التأمل والتصفح ، وأصدقت : جملة معلق عنها سننظر ، وهي في موضع نصب على إسقاط حرف الجر ، لأن نظر ، بمعنى التأمل والتفكر ، إنما يتعدى بحرف الجر الذي هو في . وعادل بين الجملتين بأم ، ولم يكن التركيب أم كذبت ، لأن قوله : أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ أبلغ في نسبة الكذب إليه ، لأن كونه من الكاذبين يدل على أنه معروف بالكذب ، سابق له هذا الوصف قبل الإخبار بما أخبر به . وإذا كان قد سبق له الوصف بالكذب ، كان متهما فيما أخبر به ، بخلاف من يظن ابتداء كذبه فيما أخبر به . وفي الكلام حذف تقديره : فأمر بكتابة كتاب إليهم ، وبذهاب الهدهد رسولا إليهم بالكتاب ، فقال : اذْهَبْ بِكِتابِي هذا : أي الحاضر المكتوب الآن . فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ : أي تنح عنهم إلى مكان قريب ، بحيث تسمع ما يصدر منهم وما يرجع به بعضهم إلى بعض من القول . وفي قوله : اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ دليل على إرسال الكتب إلى المشركين