أبي حيان الأندلسي
22
البحر المحيط في التفسير
قضوا بأنه في حق من هو خير منهم أبعد . وقيل : معنى بِأَنْفُسِهِمْ بأمهاتهم . وقيل : بإخوانهم . وقيل : بأهل دينهم ، وقال وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ « 1 » فسلموا على أنفسكم أي لا يلمز بعضكم بعضا ، وليسلم بعضكم على بعض . لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ جعل اللّه فصلا بين الرمي الكاذب والرمي الصادق ثبوت أربعة شهداء وانتفاؤها . فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا فهم في حكم اللّه وشريعته كاذبون ، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك ولم يجدّوا في دفعه وإنكاره واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة والتنكيل . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ أي في الدنيا بالنعم التي منها الإمهال للتوبة وَرَحْمَتُهُ عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة . لَمَسَّكُمْ العذاب فيما خضتم فيه من حديث الإفك يقال : أفاض في الحديث واندفع وهضب وخاض . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ لعامل في إِذْ لَمَسَّكُمْ . وقرأ الجمهور تَلَقَّوْنَهُ بفتح الثلاث وشد القاف وشد التاء البزي وأدغم ذال إِذْ في التاء النحويان وحمزة أي يأخذه بعضكم من بعض ، يقال : تلقى القول وتلقنه وتلقفه والأصل تتلقونه وهي قراءة أبيّ . وقرأ ابن السميفع تَلَقَّوْنَهُ بضم التاء والقاف وسكون اللام مضارع ألقى وعنه تَلَقَّوْنَهُ بفتح التاء والقاف وسكون اللام مضارع لقي . وقرأت عائشة وابن عباس وعيسى وابن يعمر وزيد بن عليّ بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف من قول العرب : ولق الرجل كذب ، حكاه أهل اللغة . وقال ابن سيده ، جاءوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي ، وعندي أنه أراد يلقون فيه فحذف الحرف ووصل الفعل للضمير . وحكى الطبري وغيره أن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في أثر عدد ، وكلام في أثر كلام ، يقال : ولق في سيره إذا أسرع قال : جاءت به عيسى من الشام يلق وقرأ ابن أسلم وأبو جعفر تألقونه بفتح التاء وهمزة ساكنة بعدها لام مكسورة من الألق وهو الكذب . وقرأ يعقوب في رواية المازني تيلقونه بتاء مكسورة بعدها ياء ولام مفتوحة كأنه مضارع ولق بكسر اللام كما قالوا : تيجل مضارع وجلت . وقال سفيان : سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه يعني مضارع ثقف قال : وكان أبوها يقرأ بحرف ابن مسعود . ومعنى بِأَفْواهِكُمْ وتديرونه فيها من غير علم لأن الشيء المعلوم يكون في القلب ثم يعبر عنه اللسان ، وهذا الإفك ليس محله إلّا الأفواه كما قال يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الحجرات : 49 / 11 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 167 .