أبي حيان الأندلسي
213
البحر المحيط في التفسير
أن يظهره على يده من المعجز ، أي أنا القوي القادر على ما يبعد في الأوهام ، الفاعل ما أفعله بالحكمة . وقال الزمخشري : فإن قلت : علام عطف قوله : وَأَلْقِ عَصاكَ ؟ قلت : على بورك ، لأن المعنى : نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ . وقيل له : ألق عصاك ، والدليل على ذلك قوله : وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ « 1 » ، بعد قوله : أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ « 2 » ، على تكرير حرف التفسير ، كما تقول : كتبت إليه أن حج واعتمر ، وإن شئت أن حج وأن اعتمر . انتهى . وقوله : إِنَّهُ ، معطوف على بورك مناف لتقديره . وقيل له : ألق عصاك ، لأن هذه جملة معطوفة على بورك ، وليس جزؤها الذي هو . وقيل : معطوفا على بورك ، وإنما احتيج إلى تقدير . وقيل له : ألق عصاك ، لتكون الجملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها ، كأنه يرى في العطف تناسب المتعاطفين ، والصحيح أنه لا يشترط ذلك ، بل قوله : وَأَلْقِ عَصاكَ معطوف على قوله : إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، عطف جملة الأمر على جملة الخبر . وقد أجاز سيبويه : جاء زيد ومن عمرو . فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ : ثم محذوف تقديره : فألقاها من يده . وقرأ الحسن ، والزهري ، وعمرو بن عبيد : جأن ، بهمزة مكان الألف ، كأنه فر من التقاء الساكنين ؛ وقد تقدم الكلام في نحو ذلك في قوله : ولا الضألين ، بالهمز في قراءة عمرو بن عبيد . وجاء : فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ « 3 » ، فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ * « 4 » ، وهذا إخبار من اللّه بانقلابها وتغيير أوصافها وإعراضها ، وليس إعداما لذاتها وخلقها لحية وثعبان ، بل ذلك من تغيير الصفات لا تغيير الذات . وهنا شبهها حالة اهتزازها بالجان ، فقيل : وهو صغار الحيات ، شبهها بها في سرعة اضطرابها وحركتها ، مع عظم جثتها . ولما رأى موسى هذا الأمر الهائل ، وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ . قال مجاهد : ولم يرجع . وقال السدّي : لم يمكث . وقال قتادة : ولم يلتفت ، يقال : عقب الرجل : توجه إلى شيء كان ولى عنه ، كأنه انصرف على عقبيه ، ومنه : عقب المقاتل ، إذا كر بعد الفرار . قال الشاعر : فما عقبوا إذ قيل هل من معقب * ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا ولحقه ما لحق طبع البشرية إذا رأى الإنسان أمرا هائلا جدا ، وهو رؤية انقلاب العصا حية تسعى ، ولم يتقدمه في ذلك تطمين إليه عند رؤيتها . قال الزمخشري : وإنما رغب لظنه أن
--> ( 1 ) سورة القصص : 28 / 31 . ( 2 ) سورة القصص : 28 / 30 . ( 3 ) سورة طه : 20 / 19 . ( 4 ) سورة الأعراف : 7 / 107 ، وسورة الشعراء : 26 / 32 .