أبي حيان الأندلسي

198

البحر المحيط في التفسير

وما تفعله من تهجدك . وأكثر المفسرين منهم ابن عباس ، على أن المعنى حين تقوم إلى الصلاة . وقرأ الجمهور : وَتَقَلُّبَكَ مصدر تقلب ، وعطف على الكاف في يَراكَ . وقرأ جناح بن حبيش : وَتَقَلُّبَكَ مضارع قلب مشددا ، عطفا على يَراكَ . وقال مجاهد وقتادة : فِي السَّاجِدِينَ : في المصلين . وقال ابن عباس : في أصلاب آدم ونوح وإبراهيم حتى خرجت . وقال عكرمة : يراك قائما وساجدا . وقيل : معنى تَقُومُ : تخلو بنفسك . وعن مجاهد أيضا : المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه ، كما قال : « أتموا الركوع والسجود فو اللّه إني لأراكم من خلفي » . وفي الوجيز لابن عطية : ظاهر الآية أنه يريد قيام الصلاة ، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات ، وهو تأويل مجاهد وقتادة . وفي الساجدين : أي صلاتك مع المصلين ، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما . وقال ابن عباس أيضا ، وقتادة : أراد وتقلبك في المؤمنين ، فعبر عنهم بالساجدين . وقال ابن جبير : أراد الأنبياء ، أي تقلبك كما تقلب غيرك من الأنبياء . وقال الزمخشري : ذكر ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد ، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه ، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون ، ويستبطن سرائرهم وكيف يعملون لآخرتهم . كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل ، طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون ، بحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات ، فوجدها كبيوت الزنابير ، لما سمع من دندنتهم بذكر اللّه والتلاوة . والمراد بالساجدين : المصلون . وقيل : معناه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة ، وتقلبه في الساجدين : تصرفه فيما بينهم لقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم . وعن مقاتل ، أنه سأل أبا حنيفة رضي اللّه عنه : هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن ؟ فتلا هذه الآية . ويحتمل أن لا يخفى على حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين . انتهى . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقوله ، الْعَلِيمُ بما تنوبه وتعمله ، وذهبت الرافضة إلى أن آباء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا مؤمنين ، واستدلوا بقوله تعالى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قالوا : فاحتمل الوجوه التي ذكرت ، واحتمل أن يكون المراد أنه تعالى نقل روحه من ساجد إلى ساجد ، كما نقوله نحن . فإذا احتمل كل هذه الوجوه ، وجب حمل الآية على الكل ضرورة ، لأنه لا منافاة ولا رجحان . وبقوله عليه الصلاة والسلام : « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ، وكل من كان كافرا فهو نجس لقوله تعالى : إِنَّمَا