أبي حيان الأندلسي
193
البحر المحيط في التفسير
وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى التعقيب في قوله : فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً قلت : ليس المعنى يراد برؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه الوجود ، وإنما المعنى ترتبها في الشدة ، كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب مما هو أشد منها ، وهو لحوقه بهم مفاجأة مما هو أشد منه ، وهو سؤالهم النظرة . ومثل ذلك أن تقول : إن أسأت مقتك الصالحون ، فمقتك اللّه ، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أن مقت اللّه يوجد عقيب مقت الصالحين ، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسئ ، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين . فما هو أشد من مقتهم ؟ وهو مقت اللّه . ويرى ، ثم يقع هذا في هذا الأسلوب ، فيحل موقعه . انتهى . فَيَقُولُوا ، أي كل أمّة معذبة : هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ : أي مؤخرون ، وهذا على جهة التمني منهم والرغبة حيث لا تنفع الرغبة . ثم رجع لفظ الآية إلى توبيخ قريش على استعجالهم عذاب اللّه في طلبهم سقوط السماء كسفا وغير ذلك ، وقولهم للرسول : أين ما تعدنا به ؟ وقال الزمخشري : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ، تبكيت لهم بإنكاره وتهكم ، ومعناه : كيف يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه من جنس ، ما هو فيه اليوم من النظرة والإمهال ؟ طرفة عين فلا يجاب إليها . ويحتمل أن يكون هذا حكاية توبيخ ، يوبخون به عند استنظارهم يومئذ ، ويستعجلون هذا على الوجه ، حكاية حال ماضية ووجه آخر متصل بما بعده ، وذلك أن استعجالهم بالعذاب إما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم ، وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن . فقال عزّ وعلا : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ؟ أشرا وبطرا واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل ؟ ثم قال : وهب أن الأمر كما يعتقدون من تمتعهم وتعميرهم ، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ، ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم ؟ انتهى . وقيل : اتبع قوله : فتأتيهم بغتة بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة . فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ، كما يستغيث إليه المرء عند تعذر الخلاص ، لأنهم يعلمون في الآخرة أن لا ملجأ ، لكنهم يقولون ذلك استرواحا . وقيل : يطلبون الرجعة حين يبغتهم عذاب الساعة ، فلا يجابون إليها . أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ : خطاب للرسول عليه السلام بإقامة الحجة عليهم ، في أن مدة الإرجاء والإمهال والإملاء لا تغني إذا نزل العذاب بعدها . وقال عكرمة : سنين ، عمر الدنيا . انتهى . وتقرر في علم العربية أن أرأيت إذا كانت بمعنى أخبرني ، تعدت إلى مفعولين ، أحدهما منصوب والآخر جملة استفهامية . في الغالب تقول العرب : أرأيت زيدا