أبي حيان الأندلسي

191

البحر المحيط في التفسير

وهو واقف بعرفة : « جملي هذا أعجم ، فلو أنزل عليه ما كانوا يؤمنون » . والعجمي هو الذي نسبته في العجم ، وإن كان أفصح الناس . انتهى . وفي التحرير : الْأَعْجَمِينَ : جمع أعجم على التخفيف ، ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع سلامة . قيل : والمعنى ولو نزلناه بلغة العجم على رجل أعجمي فقرأه على العرب ، لم يؤمنوا به ، حيث لم يفهموه ، واستنكفوا من اتباعه . وقيل : ولو نزلنا القرآن على بعض العجم من الدواب فقرأه عليهم ، لم يؤمنوا ، لعنادهم لقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ « 1 » الآية ، وجمع جمع السلامة ، لأنه وصف بالإنزال عليه والقراءة ، وهو فعل العقلاء . وقيل : ولو نزل على بعض البهائم ، فقرأه عليهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لم تؤمن البهائم ، كذلك هؤلاء لأنهم : كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا « 2 » انتهى . ولما بين بما تقدم ، من أن هذا القرآن في كتب الأولين ، وأن علماء بني إسرائيل يعلمون ذلك ، وكان في ذلك دليلين على صدق نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بين أن هؤلاء الكفار لا تجدي فيهم الدلائل . ألا ترى نزوله على رجل عربي بلسان عربي ، وسمعوه وفهموه وأدركوا إعجازه وتصديق كتب اللّه القديمة له ، ومع ذلك جحدوا وسموه تارة شعرا وتارة سحرا ؟ ولو نزل على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية ، لكفروا به وتمحلوا بجحوده . وقال الفراء : الأعجمين جمع أعجم أو أعجمي ، على حذف ياء النسب ، كما قالوا : الأشعرين ، وواحدهم أشعري . وقال ابن الجهم : قال الكميت : ولو جهزت قافية شرودا * لقد دخلت بيوت الأشعرينا انتهى . وقرأ الحسن ، وابن مقسم : الأعجميين ، بياء النسب : جمع أعجمي . والضمير في سَلَكْناهُ ، الظاهر أنه عائد على ما عادت عليه الضمائر . قيل : وهو القرآن ، وقاله الرماني . والمعنى : مثل ذلك السلك ، وهو الإدخال والتمكين والتفهيم لمعانيه . سَلَكْناهُ : أدخلناه ومكناه في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . والمعنى : ما ترتب على ذلك السلك من كونهم فهموه وأدركوه ، ولم يزدهم ذلك إلا عنادا وجحودا وكفرا به ، أي على مثل هذه الحالة وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له ، كما وضعناه فيها . فكيف ما يرام إيمانهم به لم يتغير ؟ وأعماهم عليه من الإنكار والجحود ، كما قال : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ « 3 » الآية . وقال الكرماني : أدخلناه فيها ، فعرفوا معانيه ، وعجزهم عن الإتيان

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 110 . ( 2 ) سورة الفرقان : 25 / 44 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 7 .