أبي حيان الأندلسي
175
البحر المحيط في التفسير
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ، قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ، قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ، وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ، قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ، قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ، فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . القوم : مؤنث مجازي التأنيث ، ويصغر قويمة ، فلذلك جاء : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ . ولما كان مدلوله أفرادا ذكورا عقلاء ، عاد الضمير عليه ، كما يعود على جمع المذكر العاقل . وقيل : قوم مذكر ، وأنث لأنه في معنى الأمة والجماعة ، وتقدم معنى تكذيب قوم نوح المرسلين ، وإن كان المرسل إليهم واحدا في الفرقان في قوله : وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ « 1 » ، وإخوة نوح قيل : في النسب . وقيل : في المجانسة ، كقوله : يا أخا تميم تريد يا واحد أمته وقال الشاعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا ومتعلق التقوى محذوف ، فقيل : ألا تتقون عذاب اللّه وعقابه على شرككم ؟ وقيل : ألا تتقون مخالفة أمر اللّه فتتركوا عبادتكم للأصنام وأمانته ، كونه مشهورا في قومه بذلك ، أو مؤتمنا على أداء رسالة اللّه ؟ ولما عرض عليهم برفق تقوى اللّه فقال : أَ لا تَتَّقُونَ ، انتقل من العرض إلى الأمر فقال : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ في نصحي لكم ، وفيما دعوتكم إليه من توحيد اللّه وإفراده بالعبادة . وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ : أي على دعائي إلى اللّه والأمر بتقواه . وقيل : الضمير في عليه يعود على النصح ، أو على التبليغ ، والمعنى : لا أسألكم عليه شيئا من أموالكم . وقدم الأمر بتقوى اللّه على الأمر بطاعته ، لأن تقوى اللّه سبب لطاعة نوح عليه السلام . ثم كرر الأمر بالتقوى والطاعة ، ليؤكد عليهم ويقرر ذلك في نفوسهم ، وإن اختلف التعليل ، جعل الأول معلولا لأمانته ، والثاني لانتفاء أخذ الأجر . ثم لم ينظروا في أمر رسالته ، ولا تفكروا فيما أمرهم به ، لما جبلوا عليه ونشئوا من حب الرئاسة ، وهي التي
--> ( 1 ) سورة الفرقان : 25 / 37 .