أبي حيان الأندلسي

154

البحر المحيط في التفسير

ولما رأى فرعون أمر العصا واليد ، وما ظهر فيهما من الآيات ، هاله ذلك ولم يكن له فيه مدفع فزع إلى رميه بالسحر . وطمع لغلبة علم السحر في ذلك الزمان أن يكون ثمّ من يقاومه ، أو كان علم صحة المعجزة . وعمى تلك الحجة على قومه ، برميه بالسحر ، وبأنه يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ، ليقوي تنفيرهم عنه ، وابتغاؤهم الغوائل له ، وأن لا يقبلوا قوله ؛ إذ من أصعب الأشياء على النفوس مفارقة الوطن الذي نشئوا فيه ، ثم استأمرهم فيما يفعل معه ، وذلك لما حل به من التحير والدهش وانحطاطه عن مرتبة ألوهيته إلى أن صار يستشيرهم في أمره ، فيأمرونه بما يظهر لهم فيه ، فصار مأمورا بعد أن كان آمرا . وتقدم الكلام في فَما ذا تَأْمُرُونَ وفي الألفاظ التي وافقت ما في سورة الأعراف ، فأغنى عن إعادته . ولما قال : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ، عارضوا بقوله : بِكُلِّ سَحَّارٍ ، فجاءوا بكلمة الاستغراق والبناء الذي للمبالغة ، لينفسوا عنه بعض ما لحقه من الكرب . وقرأ الأعمش ، وعاصم في رواية : بكل ساحر . واليوم المعلوم : يوم الزينة ، وتقدم الكلام عليه في سورة طه . وقوله : هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ، استبطاء لهم في الاجتماع ، والمراد منه استعجالهم ، كما يقول الرجل لغلامه : هل أنت منطلق ؟ إذا أراد أن يحرك منه ويحثه على الانطلاق ، كما يخيل إليه أن الناس قد انطلقوا وهو واقف ، ومنه قول تأبط شرا : هل أنت باعث دينارا لحاجتنا * أو عند رب أخا عون بن مخراق يريد : ابعثه إلينا سريعا ولا تبطئ به . وترجوا اتباع السحرة ، أي في دينهم ، إن غلبوا موسى عليه السلام ، ولا يتبعون موسى في دينه . وساقوا الكلام سياق الكناية ، لأنهم إذا اتبعوهم لم يتبعوا موسى عليه السلام . ودخلت إذا هنا بين اسم إن وخبرها ، وهي جواب وجزاء . و بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ : الظاهر أن الباء للقسم ، والذي تتعلق به الباء محذوف ، وعدلوا عن الخطاب إلى اسم الغيبة تعظيما ، كما يقال للملوك : أمروا رضي اللّه عنهم بكذا ، فيخبر عنه إخبار الغائب ، وهذا من نوع إيمان الجاهلية . وقد سلك كثير من المسلمين في الإيمان ما هو أشنع من إيمان الجاهلية ، لا يرضون بالقسم باللّه ، ولا يعتدون به حتى يحلف أحدهم بنعمة السلطان وبرأس المحلف ، فحينئذ يستوثق منه . وقال ابن عطية : بعد أن ذكر أنه قسم قال : والأجر أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه ، إذ كانوا يعبدونه ؛ كما تقول إذا ابتدأت بعمل شيء : بسم اللّه ، وعلى بركة اللّه ، ونحو هذا . وبين قوله : قالَ لَهُمْ مُوسى ، وقوله : لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، كلام محذوف ، وهو ما ثبت في الأعراف من تخييرهم إياه في البداءة من يلقى . قال الزمخشري : فإن قلت : فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به ؟