أبي حيان الأندلسي

152

البحر المحيط في التفسير

قلت : لأين أوّلا ، فلما رأى شدة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج ، خاشن وعارض إن رسولكم لمجنون بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . فإن قلت : ألم يكن لأسجننك أخصر من لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ومؤدّيا مؤدّاه ؟ قلت : أما أخصر فنعم ، وأما مؤدّيا مؤدّاه فلا ، لأن معناه : لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني . وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا ، لا يبصر فيها ولا يسمع ، فكان ذلك أشد من القتل . انتهى . ولما كان عند موسى عليه السلام من أمر فرعون ما لا يروعه معه توعد فرعون ، قال له على جهة اللطف به والطمع في إيمانه : أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ، أي يوضح لك صدقي ، أفكنت تسجنني ؟ قال الزمخشري : أو لو جئتك ، واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام ، معناه : أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين ؟ انتهى . وتقدّم لنا الكلام على هذه الواو ، والداخلة على لو في مثل هذا السياق في قوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ « 1 » ، فأغنى عن إعادته . وقال الحوفي : واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام للتقرير ، والمعنى : أتسجنني حتى في هذه الحالة التي لا تناسب أن أسجن وأنا متلبس بها ؟ . ولما سمع فرعون هذا من موسى طمع أن يجده موضع معارضة فقال له : فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، إن لك ربا بعثك رسولا إلينا . قال الزمخشري : وفي قوله : إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ دليل على أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في دعواه ، لأن المعجزة تصديق من اللّه لمدعي النبوة ، والحكيم لا يصدق الكاذب . ومن العجب أن مثل فرعون لم يخف عليه مثل هذا ، وخفي على ناس من أهل القبلة ، حيث جوزوا القبيح على اللّه حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات . انتهى . وتقديره : إن كنت من الصادقين فأت به ، حذف الجزاء ، لأن الأمر بالإتيان يدل عليه . وقدره الزمخشري : إن كنت من الصادقين في دعواك أتيت به . جعل الجواب المحذوف فعلا ماضيا ، ولا يقدر إلا من جنس الدليل بقولهم : أنت ظالم إن فعلت ، تقديره : أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم . وقال الحوفي : إن حرف شرط يجوز أن يكون ما تقدم جوابه ، وجاز تقديم الجواب ، لأن حذف الشرط لم يعمل في اللفظ شيئا . ويجوز أن يكون الجواب محذوفا تقديره فأت به . وقول الزمخشري : حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات ، إشارة إلى إنكار الكرامات التي ذهب أهل السنة إلى إثباتها . والمعجز عندهم هو ما كان خارقا للعادة ، ولا يكون إلا لنبي أو

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 170 .