أبي حيان الأندلسي

145

البحر المحيط في التفسير

موسى وهارون ومن أرسلا إليه . وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد بصورة الجمع المثنى ، والخطاب لموسى وهارون فقط ، قال : لأن لفظة مع تباين من يكون كافرا ، فإنه لا يقال اللّه معه . وعلى أنه أريد بالجمع التثنية ، حمله سيبويه رحمه اللّه وكأنهما لشرفهما عند اللّه ، عاملهما في الخطاب معاملة الجمع ، إذ كان ذلك جائزا أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته . قال ابن عطية : مُسْتَمِعُونَ اهتبالا ، ليس في صيغة سامعون ، وإلا فليس يوصف اللّه تعالى بطلب الاستماع ، وإنما القصد إظهار التهمم ليعظم أنس موسى ، أو يكون الملائكة بأمر اللّه إياها تستمع . وقال الزمخشري : مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ من مجاز الكلام ، يريد أنا لكما ولعدو كما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه ، فأظهركما وغلبكما وكسر شوكته عنكما ونكسه . انتهى . ويجوز أن يكون معه متعلقا بمستمعون ، وأن يكون خبرا ، ومستمعون خبر ثان . والمعية هنا مجاز ، وكذلك الاستماع ، لأنه بمعنى الإصغاء ، ولا يلزم من الاستماع السماع ، تقول : أسمع إليه ، فما سمع واستمع إليه ، فسمع كما قال : اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا « 1 » ، وأفرد رسول هنا ولم يثن ، كما في قوله : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ « 2 » ، إما لأنه مصدر بمعنى الرسالة ، فجاز أن يقع مفردا خبر المفرد فما فوقه ، وإما لكونهما ذوي شريعة واحدة ؛ فكأنهما رسول واحد . وأريد بقوله : أنا أو كل واحد منا رسول . و رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ فيه رد عليه ، وأنه مربوب للّه تعالى ، بادهه بنقض ما كان أبرمه من ادعاء الألوهية ، ولذلك أنكر فقال : وما رب العالمين والمعنى إليك ، و أَنْ أَرْسِلْ : يجوز أن تكون تفسيرية لما في رسول من معنى القول ، وأن تكون مصدرية ، وأرسل بمعنى أطلق وسرح ، كما تقول : أرسلت الحجر من يدي ، وأرسلت الصقر . وكان موسى مبعوثا إلى فرعون في أمرين : إرسال بني إسرائيل ليزول عنهم العبودية ، والإيمان باللّه وبعث بالعبادات والشرع إلى بني إسرائيل وإرسالهم معهما كان إلى فلسطين ، وكانت مسكن موسى وهارون . قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ، قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي

--> ( 1 ) سورة الجن : 72 / 1 . ( 2 ) سورة طه : 20 / 47 .