أبي حيان الأندلسي

142

البحر المحيط في التفسير

أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ قلت : دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل ، وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع ، وبه نبه على كمال قدرته . انتهى . وأفرد لَآيَةً ، وإن كان قد سبق ما دل على الكثرة في الأزواج ، وهو كم ، وعلى الإحاطة بالعموم في الأزواج ، لأن المشار إليه واحد ، وهو الإنبات ، وإن اختلفت متعلقاته ، أو أريد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ : تسجيل على أكثرهم بالكفر . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ : أي الغالب القاهر . ولما كان الموضع موضع بيان القدرة ، قدم صفة العزة على صفة الرحمة . فالرحمة إذا كانت عن قدرة ، كانت أعظم وقعا ، والمعنى : أنه عز في نقمته من الكفار ورحم مؤمني كل أمة . ولما ذكر تكذيب قريش بما جاءهم من الحق وإعراضهم عنه ، ذكر قصة موسى عليه السلام ، وما قاسى مع فرعون وقومه ، ليكون ذلك مسلاة لما كان يلقاه عليه لصلاة والسلام من كفار قريش . إذ ، كانت قريش قد اتخذت آلهة من دون اللّه ، وكان قوم فرعون قد اتخذوه إلها ، وكان أتباع ملة موسى عليه السلام هم المجاورون من آمن بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بدأ بقصة موسى ، ثم ذكر بعد ذلك ما يأتي ذكره من القصص . والعامل في إذ ، قال الزجاج ، أتل مضمرة ، أي أتل هذه القصة فيما يتلو إذ نادى ، ودليل ذلك وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ « 1 » إذ . وقيل : العامل اذكر ، وهو مثل وأتل ، ومعنى نادى : دعا . وقيل : أمر . وأن : يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون تفسيرية ، وسجل عليهم بالظلم ، لظلم أنفسهم بالكفر ، وظلم بني إسرائيل بالاستعباد ، وذبح الأولاد ، و قَوْمَ فِرْعَوْنَ ، وقيل : بدل من الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، والأجود أن يكون عطف بيان لأنهما عبارتان يعتقبان على مدلول واحد ، إذ كل واحد عطف البيان ، وسوغه مستقل بالإسناد . ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك ، أتى عطف البيان بإزالته ، إذ هو أشهر . وقرأ الجمهور : ألا يتقون ، بالياء على الغيبة . وقرأ عبد اللّه بن مسلم بن يسار ، وشقيق بن سلمة ، وحماد بن سلمة ، وأبو قلابة : بتاء الخطاب ، على طريقة الالتفات إليهم إنكارا وغضبا عليهم ، وإن لم يكونوا حاضرين ، لأنه مبلغهم ذلك ومكافحهم . قال ابن عطية : معناه قل لهم ، فجمع في هذه العبارة من المعاني نفي التقوى عنهم وأمرهم بالتقوى . وقال الزمخشري : فإن قلت : بم تعلق قوله : أَ لا يَتَّقُونَ ؟ قلت : هو كلام مستأنف

--> ( 1 ) سورة الشعراء : آية 26 / 69 .