أبي حيان الأندلسي
132
البحر المحيط في التفسير
لقد قلت يا فلان قولا فكذلك الآية معناها مدح المتاب ، كأنه قال : فإنه يجد الفرج والمغفرة عظيما . وقال الزمخشري : ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه بذلك تائب إلى اللّه الذي يعرف حق التائبين ، ويفعل بهم ما يستوجبون ، واللّه يحب التوّابين ويحب المتطهرين . وقيل : من عزم على التوبة فإنه يتوب إلى اللّه فليبادر إليها ويتوجه بها إلى اللّه . وقيل مَنْ تابَ من ذنوبه فإنه يتوب إلى من يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات . وقيل : وَمَنْ تابَ استقام على التوبة فإنه يتوب إلى اللّه أي فهو التائب حقا عند اللّه . وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ عاد إلى ذكر أوصاف عِبادُ الرَّحْمنِ والظاهر أن المعنى لا يشهدون بالزور أو شهادة الزور ، قاله عليّ والباقر فهو من الشهادة . وقيل : المعنى لا يحضرون من المشاهدة والزور الشرك والصنم أو الكذب أو آلة الغناء أو أعياد النصارى . أو لعبة كانت في الجاهلية أو النوح أو مجالس يعاب فيها الصالحون ، أقوال . فالشرك قاله الضحاك وابن زيد ، والغناء قاله مجاهد ، والكذب قاله ابن جريج . وفي الكشاف عن قتادة مجالس الباطل . وعن ابن الحنفية : اللهو والغناء . وعن مجاهد : أعياد المشركين و بِاللَّغْوِ كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح . والمعنى وَإِذا مَرُّوا بأهل اللغو مَرُّوا معرضين عنهم مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم . والخوض معهم لقوله وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ « 1 » انتهى . بِآياتِ رَبِّهِمْ هي القرآن . لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً النفي متوجه إلى القيد الذي هو صم وعميان لا للخرور الداخل عليه ، وهذا الأكثر في لسان العرب أن النفي يتسلط على القيد ، والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكبّوا عليها حرصا على استماعها ، وأقبلوا على المذكر بها بآذان واعية وأعين راعية ، بخلاف غيرهم من المنافقين وأشباههم ، فإنهم إذا ذكروا بها كانوا مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها في ظاهر الأمر ، وكانوا صُمًّا وَعُمْياناً حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها . قال ابن عطية : بل يكون خرورهم سجّدا وبكيا كما تقول : لم يخرج زيد إلى الحرب جزعا أي إنما خرج جريئا معدما ، وكان المسمع المذكر قائم القناة قويم الأمر فإذا أعرض كان ذلك خرورا وهو السقوط على غير نظام وترتيب ، وإن كان قد أشبه الذي يخرّ ساجدا لكن أصله أنه على غير ترتيب انتهى . وقال السدّي لَمْ يَخِرُّوا صُمًّا وَعُمْياناً هي صفة للكفار ، وهي عبارة عن إعراضهم
--> ( 1 ) سورة القصص : 28 / 15 .