أبي حيان الأندلسي

127

البحر المحيط في التفسير

مجاهد : قولا سديدا فهو منصوب بقالوا . وقيل : هو على إضمار فعل تقديره سلمنا سَلاماً فهو جزء من متعلق الجملة المحكية . قال ابن عطية : والذي أقوله أن قالُوا هو العامل في سَلاماً لأن المعنى قالوا هذا اللفظ . وقال الزمخشري : تسلما منكم فأقيم السلام مقام التسليم . وقيل : قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الأذى والإثم والمراد بالجهل السفه وقلة الأدب وسوء الرغبة من قوله : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا انتهى . وقال الكلبي وأبو العالية : نسختها آية القتال . وقال ابن عطية : وهذه الآية كانت قبل آية السيف فنسخ منها ما يخص الكفرة وبقي حكمها في المسلمين إلى يوم القيامة ، وذكره سيبويه في هذه الآية في كتابه وما تكلم على نسخ سواه . ورجح به أنه المراد السلامة لا التسليم لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالسلام على الكفرة ، والآية مكية فنسختها آية السيف . وفي التاريخ ما معناه أن إبراهيم بن المهدي كان منحرفا عن عليّ بن أبي طالب فرآه في النوم قد تقدمه إلى عبور قنطرة ، فقال له : إنما تدّعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك ، وكان حكى ذلك للمأمون قال : فما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه فقال له المأمون : فما أجابك به ؟ قال : كان يقول لي سلاما سلاما ، فنبهه المأمون على هذه الآية وقال : يا عم قد أجابك بأبلغ جواب . فخزي إبراهيم واستحيا ، وكان إبراهيم لم يحفظ الآية أو ذهب عنه حالة الحكاية . والبيتوتة هو أن يدرك الليل نمت أو لم تنم ، وهو خلاف الظلول وبجيلة وأزد السراة يقولون : بيات وسائر العرب يقولون : يبيت ، ولما ذكر حالهم بالنهار بأنهم يتصرفون أحسن تصرف ذكر حالهم بالليل والظاهر أنه يعني إحياء الليل بالصلاة أو أكثره . وقيل : من قرأ شيئا من القرآن بالليل في صلاة فقد بات ساجدا وقائما . وقيل : هما الركعتان بعد المغرب ، والركعتان بعد العشاء . وقيل : من شفع وأوتر بعد أن صلى العشاء فقد دخل في هذه الآية . وفي هذه الآية حض على قيام الليل في الصلاة . وقدم السجود وإن كان متأخرا في الفعل لأجل الفواصل ، ولفضل السجود فإنها حالة أقرب ما يكون العبد فيها من اللّه . وقرأ أبو البرهسم : سجودا على وزن قعودا . ومدحهم تعالى بدعائه أن يصرف عنهم عذاب جهنم وفيه تحقيق إيمانهم بالبعث والجزاء . قال ابن عباس : غَراماً فظيعا وجيعا . وقال الخدري : لازما ملحّا دائما . قال الحسن : كل غريم يفارق غريمه إلّا غريم جهنّم . وقال السدّي : شديدا . وأنشدوا على أن غَراماً لازما قوله الشاعر وهو بشر بن أبي حاتم :