أبي حيان الأندلسي

122

البحر المحيط في التفسير

وبرحمته ، أو فسل بسؤاله خبيرا . كقولك ، رأيت به أسدا أي رأيت برؤيته ، والمعنى إن سألته وجدته خبيرا بجعله حالا عن به تريد فسل عنه عالما بكل شيء . وقيل : الرَّحْمنُ اسم من أسماء اللّه مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه . فقيل : فسل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره ومن ثم كانوا يقولون : ما نعرف الرحمن إلّا الذي في اليمامة يعنون مسيلمة ، وكان يقال له رحمن اليمامة انتهى . وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ وكانت قريش لا تعرف هذا في أسماء اللّه غالطت قريش بذلك فقالت : إن محمدا يأمرنا بعبادة رحمن اليمامة نزلت وَإِذا قِيلَ لَهُمُ و مَا سؤال عن المجهول ، فيجوز أن يكون سؤالا عن المسمى به لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم ، ويجوز أن يكون سؤالا عن معناه لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم كما يستعمل الرحيم والرحوم والراحم ، أو لأنهم أنكروا إطلاقه على اللّه قاله الزمخشري . والذي يظهر أنهم لما قيل لهم اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ فذكرت الصفة المقتضية للمبالغة في الرحمة والكلمة عربية لا ينكر وضعها ، أظهروا التجاهل بهذه الصفة التي للّه مغالطة منهم ووقاحة فقالوا : وَمَا الرَّحْمنُ وهم عارفون به وبصفته الرحمانية ، وهذا كما قال فرعون وَما رَبُّ الْعالَمِينَ « 1 » حين قال له موسى : إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ « 2 » على سبيل المناكرة وهو عالم برب العالمين . كما قال موسى : لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ « 3 » فكذلك كفار قريش استفهموا عن الرَّحْمنُ استفهام من يجهله وهم عالمون به ، فعلى قول من قال : لم يكونوا يعرفون الرَّحْمنُ إلّا مسيلمة وعلى قول من قال : من لا يعرفون الرحمن إلّا مسيلمة . فالمعنى أنسجد لمسيلمة وعلى قول من قال : لا يعرفون الرَّحْمنُ بالكلية فالمعنى أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا من غير علم ببيانه . والقائل اسْجُدُوا الرسول أو اللّه على لسان رسوله . وقرأ ابن مسعود والأسود بن يزيد وحمزة والكسائي يأمر بالياء من تحت أي يأمرنا محمد ، والكناية عنه أو المسمى الرَّحْمنُ ولا نعرفه . وقرأ باقي السبعة بالتاء خطابا للرسول . ومفعول تَأْمُرُنا الثاني محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره يأمرنا سجوده نحو قولهم : أمرتك الخير .

--> ( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 23 . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 104 . ( 3 ) سورة الإسراء : 17 / 102 .