أبي حيان الأندلسي
120
البحر المحيط في التفسير
على التبشير والإنذار ، أو على القرآن ، أو على إبلاغ الرسالة أقوال . والظاهر في إِلَّا مَنْ شاءَ أنه استثناء منقطع وقاله الجمهور . فعلى هذا قيل بعباده لكن مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا فليفعل . وقيل : لكن من أنفق في سبيل اللّه ومجاهدة أعدائه فهو مسئولي . وقيل : هو متصل على حذف مضاف تقديره : إلّا أجر من اتخذ إلى ربه سبيلا أي إلّا أجر من آمن أي الأجر الحاصل لي على دعائه إلى الإيمان وقبوله ، لأنه تعالى يأجرني على ذلك . وقيل : إلّا أجر من آمن من يعني بالأجرة الإنفاق في سبيل اللّه أي لا أسألكم أجرا إلّا الإنفاق في سبيل اللّه ، فجعل الإنفاق أجرا . ولما أخبر أنه فطم نفسه عن سؤالهم شيئا أمره تعالى تفويض أمره إليه وثقته به واعتماده عليه فهو المتكفل بنصره وإظهار دينه . ووصف تعالى نفسه بالصفة التي تقتضي التوكل في قوله الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لأن هذا المعنى يختص به تعالى دون كل حي كما قال كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 1 » . وقرأ بعض السلف هذه الآية فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق ، ثم أمره بتنزيهه وتمجيده مقرونا بالثناء عليه لأن التنزيه محله اعتقاد القلب والمدح محله اللسان الموافق للاعتقاد . وفي الحديث : « من قال سبحان اللّه وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر . وهي الكلمتان الخفيفتان على اللسان الثقيلتان في الميزان » . وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً أراد أنه ليس إليه من أمور عباده شيء آمنوا أم كفروا ، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم . وفي هذه الجملة تسلية للرسول ووعيد للكافر . وفي بعض الأخبار كفى بك ظفرا أن يكون عدوك عاصيا وهي كلمة يراد بها المبالغة تقول : كفى بالعلم جمالا . وكفى بالأدب مالا ، أي حسبك لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم . ولما أمره بالتوكل والتسبيح وذكر صفة الحياة الدائمة ذكر ما دل على القدرة التامة وهو إيجاد هذا العالم . وتقدم الكلام في نظير هذا الكلام واحتمل الَّذِي أن يكون صفة للحي الذي لا يموت . ويتعين على قراءة زيد بن عليّ الرَّحْمنُ بالجر وأما على قراءة الجمهور الرَّحْمنُ بالرفع فإنه يحتمل أن يكون الَّذِي صفة للحي و الرَّحْمنُ خبر مبتدأ محذوف . ويحتمل أن يكون الَّذِي مبتدأ و الرَّحْمنُ خبره . وأن يكون الَّذِي
--> ( 1 ) سورة القصص : 28 / 88 .