أبي حيان الأندلسي
118
البحر المحيط في التفسير
فارس ، وبحر الروم . وقيل : بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان في كل عام قاله ابن عباس . وقال مجاهد : مياه الأنهار الواقعة في البحر الأجاج وهذا قريب من القول الأول . قال ابن عطية : والمقصد بالآية التنبيه على قدرة اللّه وإتقان خلقه للأشياء في أن بث في الأرض مياها عذبة كثيرة من الأنهار والعيون والآبار وجعلها خلال الأجاج ، وجعل الأجاج خلالها فترى البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه ويلقى الماء البحر في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج ، والبرزخ والحجر ما حجز بينهما من الأرض والسد قاله الحسن . ويتمشى هذا على قول من قال إن مَرَجَ بمعنى أجرى . وقيل : البرزخ البلاد والقفار فلا يختلفان إلّا بزوال الحاجز يوم القيامة . قال الأكثرون : الحاجز مانع من قدرة اللّه . قال الزجاج : فهما مختلطان في مرائي العين منفصلان بقدرة اللّه ، وسواد البصرة ينحدر الماء العذب منه في دجلة نحو البحر ، ويأتي المد من البحر فيلتقيان من غير اختلاط فماء البحر إلى الخضرة الشديدة ، وماء دجلة إلى الحمرة ، فالمستقي يغرف من ماء دجلة عندنا لا يخالطه شيء ونيل مصر في فيضه يشق البحر المالح شقا بحيث يبقى نهرا جاريا أحمر في وسط المالح ليستقي الناس منه ، وترى المياه قطعا في وسط البحر المالح فيقولون : هذا ماء ثلج فيسقون منه من وسط البحر . وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي مِلْحٌ بفتح الميم وكسر اللام وكذا في فاطر . قال أبو حاتم وهذا منكر في القراءة . وقال أبو الفتح أراد مالحا وحذف الألف كما حذفت من برد أي بارد . وقال أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح : هي لغة شاذة قليلة . وقيل : أراد مالح فقصره بحذف الألف فالمالح جائز في صفة الماء لأن الماء يوجد في الضفيان بأن يكون مملوحا من جهة غيره ، ومالحا لغيره وإن كان من صفته أن يقال : ماء ملح موصوف بالمصدر أي ماء ذو ملح ، فالوصف بذلك مثل حلف ونضو من الصفات . قال الزمخشري : فإن قلت : حِجْراً مَحْجُوراً ما معناه ؟ قلت : هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها وهي هاهنا واقعة على سبيل المجاز ، كان كل واحد من البحرين متعوذ من صاحبه ويقول له حِجْراً مَحْجُوراً كما قال لا يَبْغِيانِ « 1 » أي لا ينبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة ، فانتفاء البغي ثم كالتعوذ هاهنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة انتهى .
--> ( 1 ) سورة الرحمن : 55 / 20 .