أبي حيان الأندلسي

11

البحر المحيط في التفسير

عليّ بن أبيّ طالب نكاحها . وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يريد الزنا . وروى الزهراني في هذا حديثا من طريق أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا ينكح الزاني المحدود إلّا مثله » . قال ابن عطية : وهذا حديث لا يصح ، وقول فيه نظر ، وإدخال المشرك في الآية يرده وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى الكتابية فلا حيلة في لفظ المشرك انتهى . وقال ابن المسيب : هذا حكم كان في الزناة عام أن لا يتزوج زان إلّا زانية ، ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ « 1 » وقوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ « 2 » وروي ترتيب هذا النسخ عن مجاهد إلّا أنه قال : حرم نكاح أولئك البغايا على أولئك النفر . قال ابن عطية : وذكر الإشراك في الآية يضعف هذه المناحي انتهى . وعن الجبائي إنها منسوخة بالإجماع ، وضعف بأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ، وتلخص من هذه الأقوال أن النكاح إن أريد به الوطء فالآية وردت مبالغة في تشنيع الزنا ، وإن أريد به التزويج فإما أن يراد به عموم في الزناة ثم نسخ ، أو عموم في الفساق الخبيثين لا يرغبون إلّا فيمن هو شكل لهم ، والفواسق الخبائث لا يرغبن إلّا فيمن هو شكل لهن ، ولا يجوز التزويج على ما قرره الزمخشري ، أو يراد به خصوص في قوم كانوا في الجاهلية زناة ببغايا فأرادوا تزويجهن لفقرهم وإيسارهن مع بقائهن على البغاء فلا يتزوج عفيفة ، ولو زنا رجل بامرأة ثم أراد تزويجها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر وابن عباس وجابر وطاوس وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة ومالك والثوري والشافعي ، ومنعه ابن مسعود والبراء ابن عازب وعائشة وقالا : لا يزالان زانيين ما اجتمعا ، ومن غريب النقل أنه لو تزوج معروف بالزنا أو بغيره من الفسوق ثبت الخيار في البقاء معه أو فراقه وهو عيب من العيوب التي يترتب الخيار عليها ، وذهب قوم إلى أن الآية محكمة ، وعندهم أن من زنى من الزوجين فسد النكاح بينهما . وقال قوم منهم : لا ينفسخ ويؤمر بطلاقها إذا زنت ، فإن أمسكها أثم . قالوا : ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني فإن ظهرت التوبة جاز . وقال الزمخشري : فإن قلت : أي فرق بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية ؟ قلت : معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر ، ومعنى الثانية صفتها بكونها غير مرغوب فيها للأعفّاء ولكن للزناة ، وهما معنيان مختلفان . وعن عمرو بن عبيد لا يَنْكِحُ بالجزم على النهي والمرفوع فيه معنى النهي ولكن

--> ( 1 ) سورة النور : 24 / 32 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 3 .