أبي حيان الأندلسي

8

البحر المحيط في التفسير

« أتيته سعيا وأتيته هرولة » حمل ذلك بالتأويل على الوجه المخلص من نفي الحوادث ، و أَسْرى في هذه الآية تخرج فصيحة كما ذكرنا ولا يحتاج إلى تجوز قلق في مثل هذه اللفظة فإنه ألزم للنقلة من أتيته وأتى اللّه بنيانهم انتهى . وإنما احتاج ابن عطية إلى هذه الدعوى اعتقاد أنه إذا كان أسرى بمعنى سرى لزم من كون الباء للتعدية مشاركة الفاعل للمفعول وهذا شيء ذهب إليه المبرد ، فإذا قلت : قمت بزيد لزم منه قيامك وقيام زيد عنده وهذا ليس كذلك ، التبست عنده باء التعدية بباء الحال ، فباء الحال يلزم فيه المشاركة إذ المعنى قمت ملتبسا بزيد وباء التعدية مرادفة للهمزة ، فقمت بزيد والباء للتعدية كقولك أقمت زيدا ولا يلزم من إقامتكه أن تقوم أنت . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون أسرى بمعنى سرى على حذف مضاف كنحو قوله تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ « 1 » يعني أن يكون التقدير لسرت ملائكته بعبده ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهذا مبني على اعتقاد أنه يلزم المشاركة والباء للتعدية وأيضا فموارد القرآن في فأسر بقطع الهمزة ووصلها يقتضي أنهما بمعنى واحد ، ألا ترى أن قوله : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ * « 2 » و أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي * « 3 » قرئ بالقطع والوصل ، ويبعد مع القطع تقدير مفعول محذوف إذ لم يصرح به في موضع ، فيستدل بالمصرح على المحذوف . والظاهر أن هذا الإسراء كان بشخصه ولذلك كذبت قريش به وشنعت عليه ، وحين قص ذلك على أم هانئ قالت : لا تحدث الناس بها فيكذبوك ولو كان مناما استنكر ذلك وهو قول جمهور أهل العلم ، وهو الذي ينبغي أن يعتقد . وحديث الإسراء مروي في المسانيد عن الصحابة في كل أقطار الإسلام ، وذكر أنه رواه عشرون من الصحابة . قيل وما روي عن عائشة ومعاوية أنه كان مناما فلعله لا يصح عنهما ، ولو صح لم يكن في ذلك حجة لأنهما لم يشاهدا ذلك لصغر عائشة وكفر معاوية إذ ذاك ، ولأنهما لم يسندا ذلك إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ولا حدّثا به عنه . وعن الحسن كان في المنام رؤيا رآها وقوله : بِعَبْدِهِ هو محمد صلّى اللّه عليه وسلم . و قال أبو القاسم سليمان الأنصاري : لما وصل محمد صلّى اللّه عليه وسلم إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعارج أوحى اللّه إليه : يا محمد بم أشرّفك ؟ قال : يا رب بنسبتي إليك بالعبودية ، فأنزل فيه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ الآية انتهى . وعنه قالوا : عبد اللّه ورسوله ، وعنه إنما أنا عبد وهذه إضافة تشريف واختصاص . وقال الشاعر :

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 17 . ( 2 ) سورة هود : 11 / 18 وسورة الحجر : 15 / 65 . ( 3 ) سورة طه : 20 / 77 وسورة الشعراء : 26 / 52 .