أبي حيان الأندلسي
37
البحر المحيط في التفسير
وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال حتى لا نقول لهما عند الضجر هذه الكلمة فضلا عما يزيد عليها . قال القرطبي : قال علماؤنا : وإنما صار قول أُفٍّ للوالدين أردأ شيء لأن رفضهما رفض كفر النعمة ، وجحد التربية ، وردّ وصية اللّه . و أُفٍّ كلمة منقولة لكل شيء مرفوض ولذلك قال إبراهيم عليه السلام : أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 1 » أي رفض لكم ولهذه الأصنام معكم انتهى . وقرأ الحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى ونافع وحفص أُفٍّ بالكسر والتشديد مع التنوين . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر كذلك بغير تنوين . وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتحها مشدّدة من غير تنوين . وحكى هارون قراءة بالرفع والتنوين . وقرأ أبو السمال أُفٍّ بضم الفاء من غير تنوين . وقرأ زيد بن عليّ أفا بالنصب والتشديد والتنوين . وقرأ ابن عباس أف خفيفة فهذه سبع قراءات من اللغات التي حكيت في أُفٍّ . وقال مجاهد : إن معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول اللذين رأيا منك في حال الصغر فلا تقذّرهما وتقول أُفٍّ انتهى . والآية أعم من ذلك . ولما نهاه تعالى أن يقول لهما ما مدلوله أتضجر منكما ارتقى إلى النهي عما هو من حيث الوضع أشد من أُفٍّ وهو نهرهما ، وإن كان النهي عن نهرهما يدل عليه النهي عن قول أُفٍّ لأنه إذا نهى عن الأدنى كان ذلك نهيا عن الأعلى بجهة الأولى ، والمعنى ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك وَقُلْ لَهُما بدل قول أف ونهرهما قَوْلًا كَرِيماً أي جامعا للمحاسن من البر وجودة اللفظ . قال ابن المسيب : قول العبد المذنب للسيد اللفظ . وقيل : قَوْلًا كَرِيماً أي جميلا كما يقتضيه حسن الأدب . وقال عمر : أن تقول يا أبتاه يا أمّاه انتهى . كما خاطب إبراهيم لأبيه يا أبت مع كفره ، ولا تدعوهما بأسمائهما لأنه من الجفاء وسوء الأدب ولا بأس به في غير وجهه كما قالت عائشة نحلني أبو بكر كذا . ولما نهاه تعالى عن القول المؤذي وكان لا يستلزم ذلك الأمر بالقول الطيب أمره تعالى بأن يقول لهما القول الطيب السار الحسن ، وأن يكون قوله دالّا على التعظيم لهما والتبجيل . وقال عطاء : تتكلم معهما بشرط أن لا ترفع إليهما بصرك ولا تشد إليهما نظرك لأن ذلك ينافي القول الكريم . وقال الزجاج قولا سهلا سلسا لا شراسة فيه ، ثم أمره تعالى بالمبالغة في التواضع معهما بقوله : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ . وقال القفال
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 67 .