أبي حيان الأندلسي

35

البحر المحيط في التفسير

يقولون لا تهلك أسى وتجمل وقد اعتنى بالأمر بالإحسان إلى الوالدين حيث قرن بقوله : لا تَعْبُدُوا وتقديمهما اعتناء بهما على قوله : إِحْساناً ومناسبة اقتران برّ الوالدين بإفراد اللّه بالعبادة من حيث إنه تعالى هو الموجد حقيقة ، والوالدان وساطة في إنشائه ، وهو تعالى المنعم بإيجاده ورزقه ، وهما ساعيان في مصالحه . وقال الزمخشري : إِمَّا هي الشرطية زيدت عليها ما توكيدا لها ، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل ، ولو أفردت لم يصح دخولها لا تقول أن تكرمنّ زيدا يكرمك ، ولكن إما تكرمنّه انتهى . وهذا الذي ذكره مخالف لمذهب سيبويه لأن مذهبه أنه يجوز أن يجمع بين إما ونون التوكيد ، وأن يأتي بأن وحدها ونون التوكيد ، وأن يأتي بإما وحدها دون نون التوكيد . وقال سيبويه في هذه المسألة : وإن شئت لم تقحم النون كما أنك إن شئت لم تجىء بما يعني مع النون وعدمها ، وعندك ظرف معمول ليبلغن ، ومعنى العندية هنا أنهما يكونان عنده في بيته وفي كنفه لا كافل لهما غيره لكبرهما وعجزهما ، ولكونهما كلا عليه وأحدهما فاعل يَبْلُغَنَّ و أَوْ كِلاهُما معطوف على أَحَدُهُما . وقرأ الجمهور يَبْلُغَنَّ بنون التوكيد الشديدة والفعل مسند إلى أَحَدُهُما . وروي عن ابن ذكوان بالنون الخفيفة . وقرأ الإخوان : إما يبلغان بألف التثنية ونون التوكيد المشدّدة وهي قراءة السلمي وابن وثاب وطلحة والأعمش والجحدري . فقيل الألف علامة تثنية لا ضمير على لغة أكلوني البراغيث ، وأحدهما فاعل و أَوْ كِلاهُما عطف عليه ، وهذا لا يجوز لأن شرط الفاعل في الفعل الذي لحقته علامة التثنية أن يكون مسند المثنى أو معرف بالعطف بالواو ، ونحو قاما أخواك أو قاما زيد وعمرو على خلاف في هذا الأخير هل يجوز أو لا يجوز ، والصحيح جوازه و أَحَدُهُما ليس مثنى ولا هو معرف بالعطف بالواو مع مفرد . وقيل : الألف ضمير الوالدين و أَحَدُهُما بدل من الضمير و كِلاهُما عطف على أَحَدُهُما والمعطوف على البدل بدل . وقال الزمخشري . فإن قلت : لو قيل إما يبلغان كِلاهُما كان كِلاهُما توكيدا لا بدلا ، فما لك زعمت أنه بدل ؟ قلت : لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين فانتظم في حكمه فوجب أن يكون مثله . فإن قلت : ما ضرك لو جعلته توكيدا مع كون المعطوف عليه بدلا وعطفت التوكيد على البدل ؟ قلت : لو أريد توكيد التثنية لقيل كِلاهُما فحسب فلما قيل أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما علم أن التوكيد غير مراد فكان بدلا مثل الأول . وقال ابن عطية : وعلى هذه