أبي حيان الأندلسي
16
البحر المحيط في التفسير
طويل . وقيل : المبعوث عليهم الإسكندر وبين الإسكندر وعيسى نحو ثلاثمائة سنة ، ولكنه إن أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعياء فكان بختنصر إذ ذاك حيا فهو الذي قتلهم وخرب بيت المقدس وأتبعهم إلى مصر وأخرجهم منها . وروي عن عبد اللّه بن الزبير أن الذي غزاهم آخرا ملك اسمه خردوس وتولى قتلهم على دم يحيى بن زكرياء قائد له فسكن الدم . وقيل قتله ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له لاحب . وقال الربيع بن أنس : كان يحيى قد أعطي حسنا وجمالا فراودته امرأة الملك عن نفسه فأبى ، فقالت لابنتها : سلي أباك رأس يحيى فأعطاها ما سألت . وقرأ الجمهور لِيَسُوؤُا بلام كي وياء الغيبة وضمير الجمع الغائب العائد على المبعوثين . وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر ليسوء بالياء وهمزة مفتوحة على الإفراد والفاعل المضمر عائد على اللّه تعالى أو على الوعد أو على البعث الدال عليه جملة الجزاء المحذوفة . وقرأ عليّ بن أبي طالب وزيد بن عليّ والكسائي لنسوء بالنون التي للعظمة وفيها ضمير يعود على اللّه . وقرأ أبيّ لنسوأن بلام الأمر والنون التي للعظمة ونون التوكيد الخفيفة آخرا . وعن عليّ أيضا لنسوأنّ وليسوءنّ بالنون والياء ونون التوكيد الشديدة وهي لام القسم ، ودخلت لام الأمر في قراءة أبيّ على المتكلم كقوله : وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ « 1 » وجواب إذا هو الجملة الأمرية على تقدير الفاء . وفي مصحف أبيّ ليسيء بياء مضمومة بغير واو . وفي مصحف أنس ليسوء وجهكم على الإفراد ، والظاهر أنه أريد بالوجوه الحقيقة لأن آثار الأعراض النفسانية في القلب تظهر على الوجه ، ففي الفرح يظهر الإسفار والإشراق ، وفي الحزن يظهر الكلوح والغبرة ، ويحتمل أن يعبر عن الجملة بالوجه فإنهم ساءوهم بالقتل والنهب والسبي فحصلت الإساءة للذوات كلها أو عن ساداتهم وكبرائهم بالوجوه ، ومنه قولهم في الخطاب يا وجه العرب . واللام في وَلِيَدْخُلُوا لام كي معطوفا على ما قبلها من لام كي ، ومن قرأ بلام الأمر أو بلام القسم جاز أن يكون وليدخلوا وما بعدها أمرا ، وجاز أن تكون لام كي أي وبعثناهم ليدخلوا . و الْمَسْجِدَ مسجد بيت المقدس ومعنى كما دخلوه أول مرة أي بالسيف والقهر والغلبة والإذلال ، وهذا يبعد قول من ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتل ولا قتال ولا نهب ، وتقدّم الكلام في أول مرة في سورة التوبة . وَلِيُتَبِّرُوا يهلكوا . وقال قطرب : يهدموا . قال الشاعر :
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 29 / 12 .