أبي حيان الأندلسي

29

البحر المحيط في التفسير

عن قاتل المؤمن بغير توبة ، أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 1 » ثم ذكر اللّه تعالى التوبة في قتل الخطأ لما عسى أن يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم ، ولكن لا حياة لمن تنادي . ( فإن قلت ) : هل فيها دليل على طرد من لم يتب من أهل الكبائر ؟ ( قلت ) : ما أبين الدليل فيها ، وهو تناول قوله : ومن يقتل ، أي قاتل كان من مسلم ، أو كافر تائب ، أو غير نائب ، إلا أنّ التائب أخرجه الدليل . فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله انتهى كلامه . وهو على طريقته الاعتزالية والتعرض لمخالفيه بالسب والتشنيع . وأما قوله : ما أبين الدليل فيها ، فليس ببين ، لأن المدّعي هل فيها دليل على خلود من لم يتب من الكبائر ، وهذا عام في الكبائر . والآية في كبيرة مخصوصة وهي : القتل لمؤمن عمدا ، وهي كونها أكبر الكبائر بعد الشرك ، فيجوز أن تكون هذه الكبيرة المخصوصة حكمها غير حكم سائر الكبائر ، مخصوصة كونها أكبر الكبائر بعد الشرك ، فلا يكون في الآية دليل على ما ذكر ، فظهر أنّ قوله : ما أبين الدّليل منها ، غير صحيح . واختلفوا في ما به يكون قتل العمد ، وفي الحرّ يقتل عبدا عمدا مؤمنا ، هل يقتص منه ؟ وذلك موضح في كتب الفقه . وانتصب متعمدا على الحال من الضمير المستكن في يقتل ، والمعنى : متعمدا قتله . وروى عبدان عن الكسائي : تسكين تاء متعمدا ، كأنه يرى توالي الحركات . وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعا . التتميم في : ومن أصدق من اللّه حديثا . والاستفهام بمعنى الإنكار في : فما لكم في المنافقين ، وفي : أتريدون أن تهدوا . والطباق في : أن تهدوا من أضل اللّه . والتجنيس المماثل في : لو تكفرون كما كفروا ، وفي : بينكم وبينهم ، وفي : أن يقاتلوكم أو يقاتلوا ، وفي : أن يأمنوكم ويأمنوا ، وفي : خطأ وخطأ . والاستعارة في : بينكم وبينهم ، وفي : حصرت صدورهم ، وفي : فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم ، وفي : سبيلا وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية . والاعتراض في : ولو شاء اللّه لسلطهم . والتكرار في مواضع . والتقسيم في : ومن قتل إلى آخره . والحذف في مواضع .

--> ( 1 ) سورة محمد : 47 / 24 .