أبي حيان الأندلسي
20
البحر المحيط في التفسير
واستثنى الخطأ ، والاستثناء من النفي إثبات ، ومن التحريم إباحة ، وقتل الخطأ ليس بمباح بالإجماع ، وفي كونه حراما كلام انتهى . وملخص ما بني على هذا أنه إن كان نفيا وأريد به معنى النهي كان استثناء منقطعا إذ لا يجوز أن يكون متصلا لأنه يصير المعنى : إلا خطأ فله قتله . وإن كان نفيا أريد به التحريم ، فيكون استثناء متصلا إذ يصير المعنى : إلا خطأ بأن عرفه كافرا فقتله ، وكشف الغيب أنه كان مؤمنا ، فيكون قد أبيح الإقدام على قتل الكفرة ، وإن كان فيهم من أسلم إذا لم يعلم بهم ، فيكون الاستثناء من الحظر إباحة . وقال بعض أهل العلم : المعنى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا ولا خطأ فيكون إلا بمعنى : ولا ، وأنكر الفراء هذا القول ، وقال : مثل هذا لا يجوز ، إلا إذا تقدم استثناء آخر ، ويكون الثاني عطف استثناء على استثناء ، كما في قول الشاعر : ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروانا وروى أبو عبيدة عن يونس أنه سأل رؤبة بن العجاج عن هذه الآية فقال : ليس له أن يقتله عمدا ولا خطأ ، ولكنه أقام إلا مقام الواو ، وهو كقول الشاعر : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان والذي يظهر أن قوله : إلا خطأ ، استثناء منقطع ، وهو قول الجمهور منهم : أبان بن تغلب . والمعنى : لكن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ ، والقتل عند مالك عمد وخطأ ، فيقاد باللطمة ، والعضة ، وضرب السوط مما لا يقتل غالبا . وعند الشافعي : عمد ، وشبه عمد . ولا قصاص في شبه العمد ، ولا الخطأ . وعند أبي حنيفة : عمد ، وخطأ ، وشبه ، عمد ، وما ليس بخطإ ولا عمد ولا شبه عمد . والخطأ ضربان : أن يقصد رمي مشرك أو طائر فيصيب مسلما ، أو يظنه مشركا لكونه عليه سيما أهل الشرك ، أو في حيزهم . وشبه العمد ما يعمد بما لا يقتل غالبا من حجر أو عصا ، وما ليس بخطإ ولا عمد ولا شبه عمد قتل الساهي والنائم . وقرأ الجمهور خطاء على وزن بناء . وقرأ الحسن والأعمش : على وزن سماء ممدودا . وقرأ الزهري : على وزن عصا مقصورا لكونه خفف الهمزة بإبدالها ألفا ، أو إلحاقا بدم ، أو حذف الهمزة حذفا كما حذف لام دم . وقال ابن عطية : وجوه الخطأ كثيرة ، ومربطها عدم القصد . وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا