أبي حيان الأندلسي

16

البحر المحيط في التفسير

وقرأ الجمهور : فيقاتلوكم بألف المفاعلة . وقرأ مجاهد وطائفة : فلقتلوكم على وزن ضربوكم . وقرأ الحسن والجحدري : فلقتلوكم بالتشديد ، واللام في لقاتلوكم لام جواب لو ، لأن المعطوف على الجواب جواب ، كما لو قلت : لو قام زيد لقام عمرو ولقام بكر . وقال ابن عطية : واللام في لسلطهم جواب لو ، وفي فلقاتلوكم لام المحاذاة والازدواج ، لأنها بمثابة الأولى لو لم تكن الأولى كنت تقول : لقاتلوكم انتهى . وتسميته هذه اللام لام المحاذاة والازدواج تسمية غريبة ، لم أر ذلك إلا في عبارة هذا الرجل ، وعبارة مكي قبله . فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا إذا كان المستثنون كفارا فالاعتزال حقيقة لا يتهيأ إلا في حالة المواجهة في الحرب كأنه يقول : إذا اعتزلوكم بانفرادهم عن قومهم الذين يقاتلونكم فلا تقتلوهم . وقيل : أراد بالاعتزال هنا المهادنة ، وسميت اعتزالا لأنها سبب الاعتزال عن القتال . والسلم هنا الانقياد قاله : الحسن ، أو الصلح قاله : الربيع ومقاتل ، أو الإسلام قاله : الحسن أيضا . وأما على من قال : إن المستثنين مؤمنون ، فالمعنى أنهم إذ قد اعتزلوكم وأظهروا الإسلام فاتركوهم ، فعلى هذا تكون في « الذين أسلموا ولم يستحكم إيمانهم » والمعنى : سبيلا إلى قتلهم ومقاتلتهم . وقرأ الجحدري : السلم بسكون اللام . وقرأ الحسن : بكسر السين ، وسكون اللام . سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها لمّا ذكر صفة المحقين في المتاركة ، المجدّين في إلقاء السلم ، نبّه على طائفة أخرى مخادعة يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم يقولون لهم : نحن معكم وعلى دينكم ، ويقولون للمسلمين كذلك إذا وجدوا . قيل : كانت أسد وغطفان بهذه الصفة فنزلت فيهم ، قاله : مقاتل . وقيل : نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان ينقل بين النبي صلى اللّه عليه وسلم الأخبار قاله : السدي . وقيل : في قوم يجيئون من مكة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم رياء ويظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش يكفرون ، ففضحهم اللّه تعالى ، وأعلم أنهم ليسوا على صفة من تقدّم قاله : مجاهد . وقيل : إنهم من أهل تهامة قاله : قتادة . وقيل : إنهم من المنافقين قاله : الحسن . والظاهر من قوله : ستجدون آخرين ، أنهم قوم غير المستثنين في قوله : إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ « 1 » . وذهب قوم : إلى أنها بمنزلة الآية الأولى ، والقوم الذين نزلت فيهم هم الذين

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 90 .