أبي حيان الأندلسي

14

البحر المحيط في التفسير

حضرت الرسول عليه السّلام ، فيتعذر عليهم ذلك المطلوب ، فيلجئوا إلى قوم بينهم وبين الرسول عهد ، إلى أن يجدوا السبيل إليه انتهى . وفي مصحف أبي وقراءته : ميثاق جاءوكم بغير واو . قال الزمخشري : ووجهه أن يكون جاءوكم بيانا ليصلون ، أو بدلا ، أو استئنافا ، أو صفة بعد صفة لقوم انتهى . وهي وجوه محتملة ، وفي بعضها ضعف . وهو البيان والبدل ، لأن البيان لا يكون في الأفعال ، ولأن البدل لا يتأتى لكونه ليس إياه ، ولا بعضا ، ولا مشتملا . ومعنى حصرت : ضاقت ، وأصل الحصر في المكان ، ثم توسع فيه حتى صار في القول . قال : ولقد تكنفني الوشاة فصادفوا * حصرا بسرك يا أميم ضنينا وقيل : معناه كرهت . والمعنى : كرهوا قتالكم مع قومهم معكم . وقيل : معناه أنهم لا يقاتلونكم ولا يقاتلون قومهم معكم ، فيكونون لا عليكم ولا لكم . وقرأ الجمهور : حصرت . وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب : حصرة على وزن نبقة ، وكذا قال المهدوي عن عاصم في رواية حفص . وحكي عن الحسن أنه قرأ : حصرات . وقرئ : حاصرات . وقرئ : حصرة بالرفع على أنه خبر مقدم ، أي : صدورهم حصرة ، وهي جملة اسمية في موضع الحال . فأما قراءة الجمهور فجمهور النحويين على أنّ الفعل في موضع الحال . فمن شرط دخول قد على الماضي إذا وقع حالا زعم أنها مقدرة ، ومن لم ير ذلك لم يحتج إلى تقديرها ، فقد جاء منه ما لا يحصى كثرة بغير قد . ويؤيد كونه في موضع الحال قراءة من قرأ ذلك اسما منصوبا ، وعن المبرد قولان : أحدهما : أنّ ثم محذوفا هو الحال ، وهذا الفعل صفته أي : أو جاءوكم قوما حصرت صدورهم . والآخر : أنه دعاء عليهم ، فلا موضع له من الإعراب . ورد الفارسي على المبرد في أنه دعاء عليهم بأنا أمرنا أن نقول : اللهم أوقع بين الكفار العداوة ، فيكون في قوله : أو يقاتلوا قومهم ، نفي ما اقتضاه دعاء المسلمين عليهم . قال ابن عطية : ويخرج قول المبرد على أنّ الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيز لهم ، والدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم تحقير لهم ، أي : هم أقل وأحقر ، ويستغني عنهم كما تقول إذا أردت هذا المعنى : لا جعل اللّه فلانا علي ولا معي ، بمعنى : استغنى عنه ، واستقل دونه . وقال غير ابن عطية : أو تكون سؤالا لموتهم ، على أنّ قوله : قومهم ، قد يعبر به عن من ليسوا منهم ، بل عن معاديهم . وأجاز أبو البقاء أن يكون حصرت في موضع جر صفة لقوم ، وأو جاءوكم معترض . قال : يدل عليه قراءة من أسقط أو ، وهو أبي . وأجاز أيضا أن يكون حصرت بدلا من جاءوكم ، قال : بدل اشتمال ، لأن المجيء مشتمل