أبي حيان الأندلسي

10

البحر المحيط في التفسير

ودّوا كفركم كما كفروا . ومن جعل لو حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، جعل مفعول ودّوا محذوفا ، وجواب لو محذوفا ، والتقدير : ودّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ، لسرّوا بذلك . وسبب ودّهم ذلك إمّا حسدا لما ظهر من علوّ الإسلام كما قال في نظيرتها : حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ « 1 » وإمّا إيثارا لهم أن يكونوا عباد أصنام لكونهم يرون المؤمنين على غير شيء ، وهذا كشف من اللّه تعالى لخبيث معتقدهم ، وتحذير للمؤمنين منهم . وفتكونون معطوف على قوله : تكفرون . قال الزمخشري : ولو نصب على جواب التمني لجاز ، والمعنى : ودّوا كفركم وكونكم معهم شرعا واحدا فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء انتهى . وكون التمني بلفظ الفعل ، ويكون له جواب فيه نظر . وإنما المنقول أنّ الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو : ليت ، ولو ، وإلا ، إذا أشربتا معنى التمني ، أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب . بل لو جاء لم تتحقق فيه الجوابية ، لأن ودّ التي تدل على التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات ، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء جواب ، لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به ، فيكون من باب : للبس عباءة وتقرّ عيني . فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لما نص على كفرهم ، وأنّهم تمنوا أن تكونوا مثلهم بانت عداوتهم لاختلاف الدّينين ، فنهى تعالى أن يوالي منهم أحد وإن آمنوا ، حتى يظاهروا بالهجرة الصحيحة لأجل الإيمان ، لا لأجل حظ الدّنيا ، وإنما غيابا بالهجرة فقط لأنها تتضمن الإيمان . وفي هذه الآية دليل على وجوب الهجرة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، ولم يزل حكمها كذلك إلى أن فتحت مكة ، فنسخ بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا » . وخالف الحسن البصري فقال بوجوبها ، وإن حكمها لم ينسخ ، وهو باق فتحرم الإقامة بعد الإسلام في دار الشرك . وإجماع أهل المذاهب على خلافه . قال القاضي أبو يعلى وغيره : من هو قادر على الهجرة ولا يقدر على إظهار دينه فهي تجب عليه لقوله تعالى : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها « 2 » ومن كان قادرا على إظهار دينه

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 109 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 97 .